المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : علبة من الصفيح الصديء / إحسان عبد القدوس


سهاد
04-21-2007, 07:32 PM
علبة من الصفيح الصديء
هي مجموعة قصصية للكاتب الراحل إحسان عبد القدوس

المحموعة كتبها الكاتب الراحل في أوائل الستينات
الخيط الذي يجمع هذه المجموعة هو ابراز تصرف اجتماعي ما
يقوم به البطل ويكسبه عباءة المثاليات أو على الأقل
يبرره بمنطق وجيه ...
ويقوم كاتبنا بإظهار ضعف حجة البطل ...

يعيب المجموعة من وجهة نظري الخطاب المباشر الذي يعمد إليه الكاتب
في نهاية القصة .. فاجأتني نهايات معظم القصص او هذه
المباشرة في الخطاب ...

أجمل قصص المجموعة من وجهة نظري
هي التي تحمل المجموعة اسمها


سأقوم ان شاء الله بكتابتها وإنزالها


كل التحية

سهاد
04-21-2007, 07:35 PM
علبة من الصفيح الصديء

http://easypic.us/out.php/i287_dsadmale.jpg

خرجت من القرية ..
ولن أعود..

ولست حزيناً .. ولا آسفاُ .. بالعكس .. إني أحس براحة غريبة،
وأعصابي هادئة كما لم تهدأ من قبل، وابتسامة كبيرة تنطلق في صدري،
وتلقي بظلها على شفتي .. أحس بأحساس الأب الذي اكتشف فجأة أن ابنه
قد كبر وأصبح رجلا قوياً .. والأب هو دائماً آخر من يكتشف أن ابنه قد
أصبح رجلاً .. رجلا لم يعد في حاجة لأبيه !!

والواقع أني لم أتعمد الخروج من القرية، ولم أكن قد اتخذت قرارا بعدم العودة
إليها .. إنما كل هذا حدث فجأة ..

كنت جالساً في المندرة مع شقيقي الأكبر عبد الرحمن، معنا الشيخ حسنين
مدرس المدرسة الإلزامية، ومحمد ابو عوف، وعبد الله رضوان، واحمد الرفاعي..
وكان أخي عبد الرحمن يتصدر المجلس كعادته منذ وفاة أبي، مهيباً رزيناً،
جالساً على الأريكة العتيقة ، وقد طوى إحدى ساقيه تحته، ورفع ساقه الأخرى وثناها،
وألقى ذراعه على ركبته، وترك مسبحته تتدلى من يده، وقد تباعدت حباتها
فوق الخيط الذي يربطها، فكلما ألقى حبة منها اصطدمت بالحبة التي تحتها
في صوت مسموع .. وكانت تمضي الساعات ولا يصدر عن أخي صوت،
إلا صوت مسبحته وهي تصطدم بعضها ببعض .. فإذا توقف هذا الصوت،
كان هذا إيذانا بأن أخي يهم أن يتكلم، فيرهف الجالسون أسماعهم، ويمدون
أعناقهم في تلهف واهتمام .. رغم أن أكثر ما يقوله أخي لا يستحق الاهتمام !!

وفجأة قال محمد ابو عوف:
_مش برضو نشوف طريقة نقوم بيها محامي للواد رزق ..

واهتزت أصابع أخي، وهي تعبث بمسبحته، وتسارعت دقات حباتها
وهي تصطدم بعضها ببعض ..

وقال الشيخ حسنين وهو يملأ شدقيه بحروف كلماته :
_ رزق معتوه ومجنون، ومو معفي من المسؤلية شرعاً، سواء بمحام
أو بغير محام ..

وقال أحمد الرفاعي :
_ والله أنا لسه مش مصدق .. حد كان يفتكر إن الواد رزق يعمل العملة
دي ..

وقال عبد الله رضوان وصوته القوي ينضح بالسخط:
_ احنا المحقوقين .. كنا سايبينه طايح في الكفر كله واحنا عارفين إنه
مجنون ..

ورد محمد ابو عوف في عصبية :
_ يعني كان حد عارف ان جنانه يوصل لحد كده .. ماهو طول عمره
عايش في الكفر محدش شاف منه حاجة تخوف .

وأحسست أني لم أعد أستطيع أن أسمع المزيد في موضوع رزق .. منذ أسبوع
والقرية كلها تتحدث عن رزق .. وما يقال يعاد .. وكل ما يقال كلام ساذج ..
إن أحداً لن يفهم مشكلة رزق إلا أنا، وبرغم ذلك فإني لا أستطيع أن أشرح
فهمي لها، لأن أحداً من أبناء القرية لن يفهمني ..

وأحسست أيضاً أني لم أعد أطيق سماع دقات حبات مسبحة أخي عبد الرحمن
وخيل إلي أنها دقات خطوات الفناء .. دقات قلب عالم يموت ..
وأحسست بها تقع على أعصابي، وتدفعني إلى التحدي .. تحدي الفَناء ..
تحدي العالم الذي يموت .. تحدي أخي .. وأنا حريص دائماً على ألا أتحدى
أخي .. فقمت فجأة من مجلسي، وتمتمت دون أن ألتفت إلى أحد :
_ عن إذنكم ..

وتوقفت دقات المسبحة، وشعرت بعيني أخي تتبعاني إلى أن وصلت إلى الباب،
ثم ارتفع صوته مهيباً رزيناً يشقه غيظ ساخر :
_على فين يا مأمون ؟

وأجبت وأنا ألتفت إليه لفتة سريعة دون أن ألتقي بعينيه :
_ داخل جوه شوية ..

وقال محمد ابو عوف :
_ ما تتأخرشي يا سي مأمون .. عايزين نرسي على حل في حكاية الواد رزق.

ولم أرد عليه..

خرجت من المندرة، ولكني لم أتجه إلى داخل البيت .. خرجت من البيت كله،
وسرت في أزقة القرية، ورأسي مُنكّس فوق صدري، وعيناي على الأرض،
أتتبع بهما أقدام الفلاحين الذين يمرون بي .. الأقدام الحافيو الكبيرة، السمراء،
المشققة .. وخُيّل إليّ وأنا أتتبع هذه الأقدام تتحرك، كأن الأرض نفسها تتحرك..
تسير.. تزحف.. وأسمع من حولي همهمات .. السلام عليكم.. العواف.. شي.. حا..
هع.. وأهمهم مع المهمهمين وأنا أحس إحساساً غريباً بأن الهمهمة ليست سوى
صوت احتكاك التروس التي تحرك قريتنا .. تروس بطيئة.. ولكن الحركة أكيدة..
واللون الأسمر .. لون الطين.. يملأ عينيّ المُنكستين.. الأرض سمراء.. والجدران
سُمْر.. والأٌقدام سمر.. وخُيل لي أني لو رفعت عيني فسأرى السماء سمراء..

وتوقفت عيناي عند قدمين .. قدمين صغيرتين، ولكنهما سمراوان أيضا،
ومشققتان أيضاً.. ورفعت عيني لألتقي بوجه "سبيلة" وهو يطل عليّ
من تحت صفيحة الماء التي تحملها.. إنها دائماً تحمل شيئاً فوق رأسها..

ووقفت قبالتها أملأ عيني منها .. عيناها المكحلتان .. شفتاها الرقيقتان الغامقتان..
ووجهها الهاديء الصبور، وقد اختلطت صفرته بسمرته.. وابتسامتها المهتزة
الخجولة التي تحاول أن تخفف بها من نظرة استغاثة كبيرة تطل من عينيها..
إني دائما أرى هذه النظرة في عينيها.. نظرة الاستغاثة.. تستغيث بي..
من كنا أطفالا وهي تستغيث بي.. ولم أستطع أبدا إغاثتها.. وبرغم ذلك فهي
لم تفقد الأمل .. إنها لا تزال تستغيث بي.. ولم تصدق أبدا أني أنا الآخر كنت
أستغيث بها، وأني كنت أكتم استغاثتي في صدري.. وكلانا أضعف من أن
يُغيث الآخر ..

وطالت وقفتي قبالتها برهة .. حاولت أن أقول شيئاً.. ولكني لم أقله..
واهتزت شفتاها كأنها هي الأخرى تحاول أن تقول شيئا.. ولم تقله..
وبقينا صامتين.. ابتسامتي البائسة المستغيثة.. ثم اهتزت ذراعها التي تسند
صفيحة الماء فوق رأسها فانسكب خيط من الماء فوق جلبابها الأسود..
وارتعشت رموشها في ارتباك، وانطلقت قطرات الخجل في وجنتيها،
وتمتمت ببضع كلمات لم تصل إلى أذني، ثم استدارت وسارت في طريقها..

وانتابني شعور جارف بأني لن أرى "سبيلة" بعد اليوم.. لاأدري لماذا،
فلم أكن حتى هذه اللحظة قد قررت أن أترك القرية، ولا أعود.. ووجدت
نفسي ألتفت وراءها وأنظر إلي قوامها المفرود نظرة طويلة حزينة ..
نظرة وداع.. ثم انتبهت، وتلفت حولي كأني خشيت أن يكون أحد قد ضبط نظرتي..
ثم عُدت أُنكس رأسي فوق صدري، وأسير..

وتجاوزت في سيري أزقة القرية، وأخذت أسير على حافة المصرف.. عيناي مُنكستان
على الأرض أتتبع بهما أقدام الفلاحين التي تمر بي.. ولم أرفع رأسي إلا عندما
مررت بضريح أبي ..

إن لأبي ضريحا كبيرا في القرية.. مزارا.. أُقيم خارج منطقة المقابر، على حافة
المصرف.. وله قبة خضراء، وفوق القبة هلا، وبجواره مصلى صغير فُرش بالحصير..
وأهل القرية والقرى المجاورة يعتبرون أبي ولياً من أولياء الله .. له كرامات.. كرامات
سيدي محمد القماش.. وينذرون له النذور.. ويتمسحون بأعتابه..

وأبي لم يكن ولياً من أولياء الله.. كان رجلا صالحا، طيباً،عنيداً..
ولكنه لم يكن ولياً من أولياء الله.. وليس هناك أحد يؤمن بشخصية أبي
ويقدرها حق قدرها ، مثلي.. وليس هناك أحد احبه مثلما أحببته.. وبرغم ذلك
فأنا الوحيد في القرية كلها الذي لا يؤمن بأن أبي ولي من أولياء الله..
حتى أمي آمنت بأنه كان أحد أولياء الله، وأخذت تذيع في القرية حكايات عن
كراماته.. وهي ليست حكايات كاذبة، ولكنها أيضا ليست كرامات، إنما جهل أمي
وسيطرة شخصية أبي عليها، صور لها هذه الوقائع التي كان بطلها أبي، كأنها كرامات..
وأخي استراح إلى اعتبار أبي من أولياء الله، وعاش في ظل هذه الخرافة وحاول أن
يستغلها، بل حاول أن يكون خليفته في الولاية، فقلد تفاصيل حياته وأصبح يدعي المهابة
والرزانة مثله، ويمسك بمسبحته، ويرتدي عمامته، ويجلس جلسته.. وشارك أمي في
رواية الحكايات عن كرامات أبيه الشيخ محمد القَمّاش.. ولكن حكايات أخي كانت
كاذبة، ومُغَالَى في كذبها، وكان هو أول من يعلم أنها كاذبة .. ومع مرور السنين..
وخلال اثني عشر عاما فقط ضاعت شخصية أبي الحقيقية.. وضاعت القضية التي
وقف حياته عليها والتي أكسبته حب واحترام الفلاحين، وأصبحت شخصيته شخصية
وهمية خرافية... شخصية رجل مشعوذ مجذوب..

وقفت أنظر إلى ضريح أبي من بعيد.. ولم أقرأ له الفاتحة كما تعود أن يقرأها
كل من يمر به.. ولكني ابتسمت له.. ابتسمت كأني أواسيه في محنته، وفي
شخصيته الحلوة القوية التي ضاعت وسط الخرافات التي بُعثرت حوله..
ابتسمت له كأني أشجعه على احتمال مصيره، فقد كنت دائماً مُقتنعاً بأن أبي
لا يمكن أن يكون مستريحاً تحت هذه القبة الخضراء الكبيرة، ولا إلى صوت
النساء وهن يتمسحن به ليتشفع لهن حتى يحملن ويلدن !

ثم تجاوزت ضريح أبي، وسرت على حافة المصرف، إلى أن التقيت ببدوي ابو خليل
راكباً حماره، عائداً إلى القرية ... وما كاد بدوي يحييني حتى قلت له كأني أُطلق أمنية
ظلت حبيسة في صدري أمداً طويلاً :
_ أول ما توصل الكَفْر، فوت على اخويا عبد الرحمن، وقول له إني نزلت مصر..

وفي هذه اللحظة فقط عرفت أني قررت أن أترك القرية، وعرفت أيضاً أني لن
أعود إليها.. ورفعت رأسي، وسرت في خُطا سريعة حازمة نحو محطة القطار..
وقد ارتاح صدري واستقرت نفسي ووضح الطريق أمامي..

ولم أنتبه إلى أني مرتدِ جلبابي الجوخ، وفوق رأسي الطاقية الصوف، إلا بعد
أن أخذت مقعدي في القطار.. وابتسمت.. وتخيلت ضحكة مرفت عندما تراني
في الجلباب.. إن أحداً من أهل القاهرة لا يعلمون أني فلاح.. الذين يعلمون هم
فقط الذين شاركوني أكل الفطير المشلتت الذي تعودت أمي أن ترسله إلي...

ولكن صورة مرفت وصورة مجتمع القاهرة كله اختفت سريعا من خيالي،
ونسيت أني مازلت مرتديا الجلباب وفوق رأسي الطاقية.. وعدت أهيم في
قصتي مع القرية.. أو على الأصح، قصة القرية معي...

^
^
^

سهاد
04-21-2007, 07:37 PM
http://easypic.us/out.php/i288_lgrepor000042at5.jpg

وقصة القرية معي تبدأ دائماً بوجه سبيلة.. وسبيلة هي حبي الأول،
وربما كانت حبي الوحيد، فكل ما صادفني بعد ذلك من علاقات عاطفية
لم يرتفع أبداً إلى مستوى العاطفة التي ربطتني بسبيلة.. إنه حب تفتحت عليه
عيناي وأحاسيسي، منذ تفتح وعيي للحياة.. حياتي لا تبدأ بوجه أمي، ولا بوجه
أبي، ولا بوجه القرية كلها.. بل إني أحس اليوم كلما همت مع ذكرياتي البعيدة،
أحس كأني لم أرَ وجه امي ولا وجه أبي إلا بعد أن رأيت وجه سبيلة.. ربما كانت
نوازع الاستقلال، ومحاولة بناء الحياة الفردية تبدأ مع الطفل منذ ولادته، وكانت
سبيلة هي أول خطوة لي نحو الاستقلال بحياتي، أول إحساسي بشخصيتي في
الحياة.. ولذلك فحياتي تبدأ منذ الأيام التي كنت ألعب فيها مع سبيلة فوق أكوام
السباخ في الساحة التي تقع أمام زريبة الدائرة.. دائرة الأمير ولي الدين سامح..
وكنت أشترك معها في تحميل السباخ فوق ظهر الحمار، ونسير معاً ومعنا الحمار
إلى الغيط القريب، لنفرغ حمولة السباخ.. ثم نعود معتلين ظهر الحمار..هي في
المقدمة وأنا خلفها.. ولا أذكر فيم كنا نتكلم أيامها، ولا ماذا كان يضحكنا، وماذا
كان يبكينا.. ولكننا لم نكن نفترق أبدا.. وكنت أعود إلى البيت لأواجه صرخة أمي
وهي تنظر في هلع إلى جلبابي المتسح:
_يا واد انت مش حاتبطل لعب فوق كوم السباخ..

ولم أكن أستطيع أن أبتعد عن أكوام السباخ، إلا إذا ابتعدت عن سبيلة، فأبوها يعمل
كلافاً في زريبة الدائرة، وهي تعمل معه.. إن أكوام السباخ بالنسبة لنا ليست مرتع لهو،
ولكنها مكان عمل.. برغم أننا أيامها كنا نحس باللهو أكثر مما نحس بالعمل..

ولم تكن حقيقة أن أبا سبيلة هو مجرد كلاف فقير، وأنا ابن الشيخ القمّاش الذي
يملك أربعين فدانا.. بل إنه المالك الوحيد في القرية.. لم تكن هذه الحقيقة تثير بيننا
أي مشكلة.. لم تكن تزحف تحت أقدامنا وتلتف حو عمرينا كلما كبرنا، لتشد أحدنا
بعيداً عن الآخر..

وإني أذكر يوما، عندما كنت في العاشرة من عمري، أن قلت لسبيلة ونحن عائدان
من الغيط فوق ظهر الحمار:
_بكرة تكبري يا سبيلة واتجوزك وأضربك كل يوم علقة زي عم مدبولي ما
بيضرب مراته..

وقالت سبيلة وهي تدير رأسها إلي:
_ما أنا كبرت خلاص يا مأمون.. ده انا أكبر من نفيسة بنت عمي بسنتين..

وكانت سبيلة أيامها في السابعة من عمرها..

وبعد أن أصبحت في السادسة عشرة، وأصبحت سبيلة في الثالثة عشرة...
عدنا نتحدث عن الزواج، وكانت سبيلة يومها جالسة بجانب الفرن في دارنا
تساعد نساء البيت في الخبيز، وكنت أنتظرها في الحوش المجاور.. ولما خرجت
لحقت بها، ووقفنا نتحادث، وهي ترخي عينيها عني، ولمسة حمراء تسري تحت
بشرتها السمراء، وقلت ضاحكا:
_ احنا مش كنا اتفقنا على الجواز يا بت ..

وأجابت وهي تحني رأسها :
_ودي تيجي.. إيش جاب لجاب.. ده انا خدامتك يا سي مأمون !

ويومها تنبهت لأول مرة إلى أن سبيلة تخاطبني بلقب "سي" .. سي مأمون ..
ولقب "سي" ليس بسيطاً.. ليس هيناً .. إنه يمثل حدراناُ عالية سوداء تفصل أهل
القرية بعضهم عن بعض .. جدرانا سوداء، اسمها "سي" .. وجدراناً أخرى اسمها
"سعادة البيه" .. وجدرانا ثالثة اسمها "سعادة الباشا" .. وجدراناً رابعة اسمها "أفندينا"..
والغريب أنه كلما ارتفعت الألقاب انخفضت الجدران.. فالجدار الذي يفصل بين "البيه"
و"الباشا" ، أق ارتفاعاً من الجدار الذي يفصل بين "سي" و "اللاسي".. الجدار الذي
يفصل بيني وبين سبيلة، جدار عال .. عال جدا.. شاهق.. أعلى من الهرم.. أعلى من
الجدار الذي يفصل بيني وبين ابنة ناظر دائرة أفندينا..

ولكن.. من الذي علم سبيلة أن تناديني بلقب "سي".. لا أحد.. لا أنا طلبت منها ان
تناديني "سي" .. ولا أبوها علمها كيف تنطقها.. ولا أبي.. لا أحد.. لكن عقلها تفتح
فسمعت الناس في دنياها ينادوني "سي" .. ووجدت البنات في سنها ومن طبقتها
يعتبرون أنفسهن خادمات لي.. ولأبي .. ولأمي.. ولكل عائلتنا..فاستسلمت في هدوء،
وانزوت مع أهلها تحت الجدار الأسود العالي، ورددت في خنوع " أنا خدامتك يا
سي مأمون"...

والغريب أني لم أكتشف هذه الجدران العالية السوداء في عيني سبيلة وحدها..
ولكن اكتشفتها فجأة أما عيني أيضا.. في صدري.. أنا أقف خلف الجدار الأسود
العالي، وأنزوي تحته.. أقف في الناحية الأخرى التي لا تقف فيها سبيلة .. بيني
وبينها هذا الجدار.. ووجدت نفسي لا أحاول أن أتخطاه .. لا أحاول أن أهدمه..
إنما استسلم له، كما استسلمت له سبيلة من الناحية الأخرى .. وأحسست أن كل
هذا الحب الذي أحمله لسبيلة لا يكفي لهدم الجدار الأسود.. بل أحسست أن الحب
أيضا كان معترفاً بهذا الجدار.. وأنه نشأ وتربي في ظله.. وأني دون أن أتعمد،
ودون أن ادري، كنت أسير دائما مع سبيلة على ناحيتي الجدار الأسود .. وأن
حديثي عن الزواج بها لم يكن حديثا يعبر بصدق عن مستقبل أرسمه بل حديث
أمنيات خيالية ليس له أثر في واقعي النفسي .. كما اتحدث عن اعتلائي عرش
مصر .. مجرد أمنية بعيدة تنطلق من عقدة اجتماعية لم أفكر يوما في حلها...

وبرغم ذلك فقد مر بنا عمر لم نكن نرى فيه هذا الجدار.. عمر كنا خلاله نلعب
فوق أكوام السباخ ونركب معا الحمارة .. ولم تكن سبيلة تناديني بلقب "سي"
ولا كانت تعتبر نفسها خادمتي .. كانت تعتبر نفسها حبيبتي وزوجتي..
عمر كنا فيه أطفالا.. وربما كان الأطفال هم وحدهم الذين يستطيعون اختراق
هذه الجدران السوداء العالية.. لا .. إنهم لا يخترقونها .. إنهم يلعبون فوقها..
ونحن لم نعد نلعب.. لم نعد أطفالا...

وتركت يومها سبيلة، وأنا أحس بعاطفتي نحوها ثقيلة ولها طعم جديد..
ثقيلة ثقل اليأس، ولها طعم اليأس، طعم مر.. وقضيت عمري بعد ذلك
أحاول أن أتعالى على هذه العاطفة... حتى لا أصدم بهذه الجدران السوداء..
ولكنني كنت كلما أمعنت في التعالي على عواطفس، أحسست بنفسي أهبط..
أنخفض .. أنزل في الواطي ...


^
^
^

فضاءات
04-21-2007, 07:41 PM
أقرأ ولا زلت
كل التحية سهاد

سهاد
04-21-2007, 07:45 PM
أقرأ ولا زلت
كل التحية سهاد


سعيدة بمتابعتك أخي الكريم
كل التقدير

سهاد
04-21-2007, 07:47 PM
http://easypic.us/out.php/i290_111216266M1.jpg

ويومها خرجت أسير بين الحقول على حافة المصرف، أحمل في صدري هذا اليأس
الثقل.. إلى أن سمعت صوت رزق يناديني من تحت شجرة الجميز بصوته الذي
تمزقه عاهته :
_ على فين يا مأمون..

واتجهت إليه وجلست بجانبه صامتاً...
وتركني رزق كعادته غارقا في الصمت دون أن يحاول أن ينقذني منه ..
ورزق لايزال يناديني باسمي مجرداً لا يضيف إليه لقب "سي" ..
ربما لأنه عبيط.. عبيط القرية.. عقله لم يكبر حتى يرى هذه الجدران
السوداء العالية ...

ورزق نشأ فلاحاً فقيرا يتيماً.. أكتع .. يسير وهو يرفع كتفه اليسرى،
ويعرج على قدمه اليمنى، وفمه مفتوح في بلاهة، يسيل منه لعابه
بشكل منفر.. واعتقد أهل القرية أن في رزق "شيء لله" ..وتركوه
يتجول في الأزقة يفعل ما يريد.. ويدخل أي بيت ليأكل عندما يريد
أن يأكل.. وينام عندما يريد أن ينام.. ولكنه كان يفضل دائماً أن يبقى تحت
شجرة الجميز.. خارج القرية، لا يقوم من تحتها إلا تحت إصرار معدته الخاوية..
وكان من حق رزق أن يقول أي كلام .. وأهل القرية يضحكون على كل كلام
يقوله.. وكان دائما – منذ كان طفلا – يحمل تحت إبطه علبة من الصفيح..
متآكلة .. صدئة .. لم يكن أحد من أهل القرية يعلم ما بها .. ولم يكن رزق يسمح
لأحد بأن يرى ما في علبته أو حتى يلمسها.. وهي دائما تحت إبطه .. يأكل وهي
تحت إبطه، وينام وهي تحت إبطه، ويلعب وهي تحت إبطه .. أصبحت هذه
العلبة قطعة منه.. وأهل القرية يتندرون عليها.. على العلبة .. ويحكون عنها
الحكايات .. ويتوهمون أشياء كثيرة غريبة في داخلها.. دون أن يستطيع أحد
أن يرى ما فيها، ولا أن يلمسها..

أنا الوحيد الذي كان لي حق لمس علبة رزق..
أنا الوحيد الذي كنت اعلم ما بداخلها..

رزق هو الذي أعطاني حق لمس علبته، وهو الذي فتحها لي لأرى ما بداخلها..
فقد كنت صديقه الوحيد.. وقد تعودت عبطه منذ الطفولة حتى لم أعد أعتبره عبيطا..
بل كنت ألعب معه وأتحدث، كما ألعب وأتحدث مع باقي أطفال القرية.. وقد حدث
وأنا في العاشرة من عمري، ورزق يكبرني بحوالي العامين.. أن التف بعض الأطفال
حوله وهم يصرخون " العبيط أهو .. أهو" وبدءوا يقذفونه بالحجارة .. ثم يقتربون
منه ويصفعونه على قفاه.. وهو يجري منهم بقدمه العرجاء، وكتفه الكتعاء، ويصرخ
صرخات كصرخات الأخرس، ويرفع إحدى يديه في الهواء ليحمي رأسه من الطوب..
ويده الأخرى تحتضن الصندوق الصفيح.. وجئت أنا ساعتها بالصدفة .. فاشتبكت
مع الأطفال في معركة دفاعا عن رزق.. ضربتهم ولكنهم ضربوني أيضا.. وأسالوا
الدم من وجهي.. وبعد أن انصرف المعتدون ..سرت الى المصرف وانحنين أغسل
وجهي من دمائي.. ورزق بجانبي ينظر إلى نظرات حب. حب لم أره في عيني
أي صديق حتى اليوم .. وفمه مفتوح يسيل منه لعابه.. ثم جذب العلبة الصفيح
من تحت إبطه .. ومد يده بها إليّ.. ولمستها وكأني أتبرك بها..

واتسعت الابتسامة البلهاء بين شفتيه.. ثم اقترب مني أكثر.. وتلفت حوله في
تردد وخوف، وعندما لم ير أحد حولنا، فتح غطاء العلبة أمامي.. كأنه يفتح
لي حياته كلها لأشاركه فيها ..

وكبرت .. وكبر رزق.. وعاهته تكبر معه.. وكلما كبرت عاهته استأنستها
أكثر.. أصبحت أحس بأن رزق ليس عبيطاً .. كما يقول أهل القرية.. وليس
متعابطا أيضا .. ولكن في عبطه خيط من النظرة المباشرة الاعماق .. وجرأة
عجيبة لا تتوافر في أحد من أهل القرية .. جرأة تصل به الى الصدق مباشرة
دون لف أو دوران .. جرأة العبيط .. ربما لم يكن عبيطاً إطلاقا ولكنه فيلسوف
رفعته فلسفته فوق مستوى البشر فبدا كالعبيط .. جريئاً، أمعن في جرأته إلى
حد أن الناس لم تعد تصدق جرأته.. لابد أن هذه الجرأة ه أحد مظاهر العبط..
ولابد أنه عبيط..

وكان رزق هو الوحيد من أهل القرية، بل من أهل المديرية الذي يستطيع
أن يسب سعادة كامل بك مرتضى، ناظر دائرة الأمير ولي الدين سامح.
ويسبه في وجهه.. وقد وقف أمامه مرة وهو يهم بركوب " الكّرِتّة" وصرخ:
_يا راجل بطل أكل العيال.. أحسن تطق تموت.. العيال لحمهم مسموم!

ورفع شيخ الخفر كفه الغليظة وهوى بها على قفا رزق.. وكتم بقية
الفلاحين الذين سمعوه ابتساماتهم.. وما كاد سعادة البيه الناظر يبتعد
حتى انطلقوا يضحكون على عبط رزق.. ولكني واثق أنهم بلا وعي
منهم كانوا يحسون في أعماق ضحكاتهم بطعم مر.. طعم الصدق الذي
نطق به رزق..

فسعادة البيه كان يأكل عيالهم فعلا.. أرزاق عيالهم.. حتى أبي.. الشيخ
محمد القمّاش، بكل جلالة وقاره، كان رزق يتجرأ عليه ويصرخ في وجهه:
_ ارفع رأسك يا شيخ.. اتق الله واوع تسوّد ذقنك البيضة.. اتق الله أوع
ذقنك البيضة تسوّد..

ولم يكن أبي يضحك لكلمات رزق.. بل كان يطأطيء رأسه كأنه يفكر فيها..
أو كأنه يخاف ان يضع عينيه في عيني رزق..

وكان رزق يمر برجال القرية وهم متجمعون حول المصاطب في المساء،
فيقول محييا :
_العواف يا نسوان..
واحيانا أخرى يمر بهم فيقول:
_ مساء الخير يا رجالة..

ولم يكن أحد يدري متى يحييهم رزق تحية "النسوان" ولا متى
يحييهم تحية "الرجال" فهم يضحكون دائما كلما مر بهم، وكلما قرأ
عليهم التحية.. ولكني كنت واثقا بأن كلا منهم كان يحس أنه تصرف
في يومه تصرف النسوان .. عندما يحييه رزق تحية الرجال..

وكان رزق في نظري – رغم عبطه – هو أكثر الناس فهما لمشكلة
قريتنا ...

ومشكلة قريتنا كانت في وجودها ضمن دائرة الأمير ولي الدين سامح..
وقد كانت حدود دائرة الأمير في الماضي، تقف خارج حدود المركز،
ولكنها بدأت تمتد، وتتسع.. فكن كامل بك مرتضى يشتري الأرض من
أصحابها ويضمها إلى أملاك الدائرة.. حتى اشترى كل الأراضي المحيطة
بقريتنا.. والناس تبيع إما عن حاجة للبيع، أو تحت ضغط التهديد والإرهاب
ومضايقات الجهات الرسمية.. ثم بدأ كامل بك مرتضى يزحف على زمام
قريتنا.. وكان بها خمس ملاك سقطوا بسرعة الواحد بعد الآخر.. لم يبق
منهم سوى أبي .. الشيخ محمد القمّاش.. والأربيعن فدانا التي يملكها..

ووقف أبي في عناد يرفض ان يبيع أرضه..

وفشل كامل مرتضى في إغرائه بالمال.. لقد عرض عليه في الفدان الواحد
ألف جنيه، ولكن أبي ظل على عناده..

واشتعلت الحرب بينهما..

كل ما يمكن أن يفعله كامل مرتضى، فعله.. سرق منا البهائم، وكان كل
من في القرية يعلم أن رجال الدائرة هم الذين سرقوها.. وسلط علينا بنك
التسليف.. و .. وفعل الكثير.. ولكن أبي ظل صامداً في قوة.. وكان يستمد
قوته من أهل القرية أنفسهم.. فقد كانوا يؤمنون به.. كعالم وفقيه في الدين..
ويؤمنون به كزعيم .. ويؤمنون به كولي من اولياء الله الصالحين.. وكانوا
يلجأون إليه في أخص شئونهم.. حتى المرأة التي يمتنع زوجها عن معاشرتها
كانت تلجأ إليه.. ولم يكن هذا الايمان عن خداع، أو عن بلَه.. فقد كان أبي يحب
أهل قريته فعلا.. ويتعصب لهم، وقد عاش في القرية طول عمره، لايغيب إلا
يوما أو يومين كل عام يذهب خلالهما إلى المركز أو الى القاهرة.. ثم يعود
إلى القرية، لينحني كل أهلها – رجالها ونساءها وأطفالها – يقبلون يده.. وقد
زادهم موقفه من ناظر الدائرة تحديه له، إيماناً به.. وبيته مفتوح لهم جميعا..
لكل اهل القرية.. وفي كل مساء كانت توضع صواني العشاء في القاعو الكبرى
ويلتف حولها كل من يريد من أهل القرية.. عشرون.. ثلاثون.. أربعون..
وقبل أن توضع أطباق العشاء فوق الصواني.. كان أبي يدخل إلى القاعة
بقامته المهيبة.. ولحيته ناصعة البياض، وفي يده عود صغير من الحطب
ويدور بين الجالسين، ثم يلمس كتف أحدهم بعود الحطب، ويقول في صوت
وقور هاديئ:
_قوم أنت روح يا ابو اسماعيل..

ويحني أبو اسماعيل رأسه ويقوم يجري خارج القاعة متعثرا في جلبابه
وعيناه ساقطتان بين قدميه.. ثم يلمس أبي كتفاً أخري بعود الحطب :
_روح يا واد يا شحاتة ...

ويخرج أبي من الجالسين خمسة أو ستة، وأحياناً لا يخرج أحدا، ثم يتصدر
القاعة، ويأكل مع أهله.. أهل قريته..

وكان كل من في القرية يخشى لمسة عود الحطب الذي يحمله الشيخ محمد
القمّّاش، أكثر مما يخشى حبل المشنقة.. فقد كانت هذه اللمسة تعني غضب
الله.. فالشيخ القماش ولي من أولياء الله، فإذا طرد أحداً من بيته، فقد طُرد
من بيت الله.. من جنة القرية فعلا.. وكانوا يجلسون حول صواني العشاء
قبل أن يدخل أبي، وهم يرتعشون، كل منهم لم يكن يتصرف هذا التصرف
إيمانا منه بأنه فعلا ولي من أولياء الله.. ولا افتعالاً لصورة من صور الشعوذة
التي قد تجوز على عقول الفلاحين.. ولكنه كان يطرد من بيته كل من يعلم
أنه باع نفسه للدائرة وأصبح عميلاً لها ينقل إليها الأخبار، ويشترك في
مؤامراتها، ولم يجد عقاباً لمثل هذا الإنسان أخف من أن يحرمه من الأكل على
مائدته.. لم يكن أبي يهمه أن يبيع الفلاح عمله للدائرة، فالفلاح يجب أن يعمل
ولو بُخس أجره، وما دامت الدائرة هي التي تملك كل الأرض فهو مضطر أن
يعمل لها.. ولكن هناك فرق بين أن يبيع الإنسان عمله.. وأن يبيع نفسه.. ولم يكن
يعاقب إلا من يبيع نفسه.. وهو عقاب لم تكن قيمته في الحرمان من الطعام، فالطعام
الذي كنا نقدمه لم يكن دسما، ولم نكن أغنياء إلى حد أن نقدم طعاما دسما لكل هؤلاء
الناس كل ليلة .. ولا كان العقاب يقصد به أن أبي ينزل عقاب الله على أحد، ولكنه
كان عقابا أدبياً. فكل من كان يطرد من بيت القمّاش، كان يُزدرى من أهل القرية
جميعا.. وكثيرون منهم كانوا لايطيقون هذا العقاب طويلا، فيعودوم إلى بيتنا بعد
أسبوع أو أسبوعين بعد أن يتطهروا ويستردوا نفوسهم.. وكان أبي يحس بمن تطهر
منهم فيفسح له مكانا واسعا على صواني العشاء.. والذين لايتطهرون كانوا غالبا
ما يرحلون من القرية إلى إحدى القرى الأخرى التي تقع في أملاك الدائرة..

كانت هذه هي قوة أبي...


^
^
^

خذلان
04-23-2007, 06:49 AM
أكملي سهاد..

سهاد
04-25-2007, 02:11 PM
أكملي سهاد..

تأمرين خذلان
من عيوني عزيزتي :004:

سهاد
05-04-2007, 08:49 PM
http://easypic.us/out.php/i325_FrolickingSkies.jpg


وقد حدث يوماً أن أمر كامل بك مرتضى رجاله بقطع المياه عن أرضنا..
وبتشغيل مكنات الري التي تملكها الدائرة ليل نهار حتى تشفط كل المياه
قبل أن تصل إلينا .. وكانت هذه المياه تُلقى في أرض ليست في حاجة إليها..
بل كانت تُفسد الأرض التي تُلقى فيها .. إلى هذا الحد بلغ العناد..

وفي المساء خرج رجال القرية صامتين، وكل منهم يحمل طنبورا أو جردل أو
شادوف.. جمعوا كل طنابير القرية، وسرقوا بعضها من مخازن الدائرة.. ثم
تسلل بعضهم إلى أرض الدائرة وغطسوا في الترعة ونزعوا منها مواسير مكنات
الري. ثم ألقى الرجال بالطنابير والشواديف في مياه الجَنّابيّة التي تدفقت فيه المياه.
وبدءوا يعملون.. أكثر من عشرين طنبورا وعشرين شادوفا.. عملوا طوال الليل.

وفي الصباح ، كانت أرضنا كلها قد ارتوت..

وكان الرجال قد رفعوا الطنابير وجرادل الشواديف، وأعادوا مواسير المكنات
إلى مكانها..

و.. جُن كامل مرتضى..

وعاد كامل مرتضى وأصدر أمرابأن كل من يعمل من الفلاحين في أرض الشيخ
القمّاش، لايعمل في أراضي الدائرة.. وأصبح يسلط عليهم رجال المركز.. ولم
نيأس.. وأصبح الرجال يعملون في أرضنا بالليل دون أن يدري أحد..

حوادث كثيرة...

وأخي عبد الرحمن يحمل بندقيته ومعه اثنان من رجالنا، يطوفون طول الليل
حول الأرض، وزريبة البهائم، والمخزن، ليصدوا اعتداءات رجال الدائرة..

وبرغم ذلك..
وبرغم كل ذلك...

لم يكن أبي ثائرا على الأمير.. الأمير ولي الدين سامح .. كان ثائرا على كامل
بك مرتضى.. وكان يؤمن بأن لو انزاح كامل بك مرتضى من منصبه، فستنصلح
الأمور.. بل كان يكتب كثيرا من العرائض والاسترحامات إلى الأمير يشكو له
ظلم ناظر الدائرة، ويطالب بغزله.. بل أن أبي حاول أكثر من مرة أن يتفاوض مع
كامل بك مرتضى وذهب إلى السراي بنفسه أكثر من مرة..

وفي آخر مرة ذهبت معه..

ذهبنا إلى سراي الأمير التي تقع فيها مكاتب الدائرة..

وجلست بجانب أبي على دكة خشبية بجوار باب مكتب كامل بك مرتضى..
جلسنا طويلا.. من الساعة العاشرة صباحا حتى الثانية بعد الظهر.. لم يقدم
خلالها فنجان قهوة إلى أبي.. ولا أهتم به أحد.. ثم فجأة فُتح باب المكتب
وخرج كامل مرتضى، منفوشا، سمينا، له كرش ضخم، وجهه لون طربوشه
الطويل المعوج فوق رأسه، ووقف أمام أبي ينظر إليه في قرف، وقد هم أبي
واقفا أمامه.. وقال كامل مرتضى في عجرفة تنطلق منه كالصفير:
_ نعم... أفندم..

وقال أبي في وداعة:
_ أنا قلت يمكن سعادتك مش عارف اللي بيحصل إيه، أصل..

وقاطعه كامل مرتضى صارخا:

_ أنا عارف كل حاجة .. اسمع يا راجل يا دجّال انت، إذا مكنتش حتبطل
نمرده، وتمشي زي الجزمة القديمة، أنا حاوديك في داهية، حاحط دقنك
في الطين .. فاهم.

وارتعش أبي في غضب، وقال في صوت يحاول جهده ألا يكون صراخاً:
_ انت متقدرش تعمل حاجة.. فيه اللي أكبر منك.. واللي أكبر من اللي أكبر منك..

وصرخ كامل مرتضى:
_ انت بترد علىّ يا راجل يا دجّال..

ثمر رفع كفه وهوى بها على صدغ أبي..

ووجدت نفسي أهجم على كامل مرتضى ، أضربه بيدي في كرشه، وأضربه
بقدمي في ساقه..

وكان مرتضى يصرخ:
_ امش اطلع بره.. خدوا الراجل ده بره...

وأحنى أبي رأسه صامتاً..

وجذبنا رجال الدائرة إلى الخارج..

وظل أبي صامتاً، وأنا صامت بجانبه أقاوم دموعي بكل إرادتي، وما كدنا
نقترب من القرية، حتى تركته، وجريت إلى شجرة الجميز، وألقيت بنفسي
تحتها.. دفنت رأسي في ترابها .. وبكيت.. بكيت كثيرا.. وعندما انتهت كل
دموعي، رفعت رأسي، فوجدت رزقا جالسا بجانبي ينظر إلى بعينين حزينتين،
وفمه مفتوح إلى آخره يسيل منه لعابه..وقلت وأنا مازلت أنهنه بالبكاء:
_ ضربوا الشيخ القمّاش يا رزق.. الراجل ضرب أبويا.. ضربه قدامي..

وأحسست بأسياخ حاده من الكراهية تنطلق ساعتها في صدري.. الكراهية
والحقد.. الحقد على كامل مرتضى.. وعلى الأمير.. وعلى الملك ..
وعلى الدنيا كلها..

ورزق ينظر إلى صامتا ..

ثم لمعت عيناه فجأة.. انزاحت منهما النظرة الحزينة، وحلت محلها نظرة
مرحة ضاحكة.. ثم أخرج من عب جلبابه الممزق القذر، حبة جوافة وقال
في بلاهة:
_ خد دي..

ولاأدري لماذا نظرت إلى رزق ساعتها كأنه منقذي الوحيد.. وأخذت منه
حبة الجوافة صامتا، وفي عيني تساؤل، وكأني أسأله عن الطريق..

وبعد يومين..
يومين فقط..

استيقظت القرية كلها على لهب حريق كبير، يشتعل هناك .. بعيدا.. في
زراعة الدائرة.. وخرج الناس كلهم إلى أطراف القرية يراقبون ألسنة النار
وهي تلتهم في سرعة وجنون أعواد القمح الصفراء التي كانت على وشك
الحصاد.. والتفت أبحث بين الناس عن رزق .. ولكن رزقا لم يكن بين الناس
.. ولم يهتم أحد غيري بالبحث عنه..

واستمر الحريق يوما وليلة.. والتهم أكثر من مائة فدان قمح.. فقد كانت
الأعواد جافة والريح هائجة..

وجُن جنون كامل مرتضى..
وجن الأمير في القاهرة..
وجنت الداخلية، والمدير، والمأمور، والضباط، والعمدة،
وشيخ الخفر..
ودار تحقيق قاس سريع..

وكان يمكن أن يُقبض على أبي.. ولكن أبي كان قد سافر منذ يومين إلى
القاهرة ليحاول أن يقابل الأمير ليشكو له كامل مرتضى، وثبت أنه قضى
هذين اليومين على باب الأمير..

لم تثبت التهمة على أحد..
حجزوا العشرات في المركز، ولم تثبت التهمة على أحد..

ولم يكن أحد يعلم من أشعل الحريق.. أبي كان صادقا وهو يقسم أنه
لايعلم من الجاني.. وكل الناس لايعلمون..

أنا وحدي الذي كنت أعلم..
إنه رزق..

وذهبت ليلة الحريق أبحث عن رزق في كل بيت من بيوت القرية، فلم
أجده.. وذهبت إلى شجرة الجميز وانتظرته تحتها.. وانتظرته طويلا.. وعند
الفجر رأيته قادما من بعيد يعرج على ساقه اليمنى، ويرفع كتفه الكتعاء،
وصندوقه الصفيح تحت إبطه.. وما كاد يقترب حتى لمحت عينيه متسعتين
اتساعا غريبا، تطلان من خلال الطين الذي يكسو وجهه وتلمعان لمعة الجنون
وصرخ بمجرد أن رآني :
_ شفت النار يا مأمون .. النار.. النار.. النار أكبر من كرش مرتضى..
أكبر...

وجلس بجانبي تحت الشجرة ..
وقلت له مبتسما كأني أستدرجه :
_ كنت فين يارزق.؟

ونظر إلىّ بعينيه المجنونتين، ثم قال بصوته المحشرج الذي يتعثر في عاهته:
_ النار يا مأمون .. النار .. النار ..

ثم مدد جسده على الأرض، وألقى برأسه على ساقي، ونام.. كالطفل البريء..
وفمه لايزال مفتوحا ولعابه يسيل.. وعلبته الصفيح الصدئة في يده يضغط
عليها بكل أصابعه..

وركزت عيني فوق العلبة الصفيح.
إني أعلم ما فيها..
وانا الوحيد في القرية كلها الذي يعلم ما في العلبة الصفيح الصدئة..
وقد حفظت سر رزق..

ومع الأيام حُفظ التحقيق في حادث الحريق، وأُضيف إلى رصيد كرامات
أبي كرامة جديدة، فقد انتشرت بين الفلاحين قصة تقول إن الشيخ القمّاش
ذهب وهو في القاهرة إلى ضريح الحُسين ، وأشعل عودا من الثقاب وألقاه
في الهواء فسقط العود مشتعلا في بلدنا وأحرق قمح الدائرة...

^
^
^

سهاد
05-29-2007, 02:45 PM
http://easypic.us/out.php/i380_c761b209.jpg

وزوجوا سبيلة وهي في الرابعة عشرة من عمرها.. زوجوها إلى كلاف كأبيها
يعمل في زرائب الدائرة..

واستسلمت لزواجها.. حاولت قدرطاقتي أن أقنع نفسي بأن الأمر لايهمني..
تجمدت.. وازددت انطواء تحت الجدار الأسود العالي الذي يفصل بيني وبينها..
وأصبحت أتعمد أن أتجنبها.. ألا ألتقي بها .. كأني كنت أخشى لو واجهتها أن
ينهار الجدار العالي.. كأني في دخيلة نفسي كنت حريصا على الإبقاء على هذا
الجدار العالي أكثر من حرصي على الأبقاء على حبي..

ولكننا التقينا.. في صباح يوم زواجها.. التقينا في حوش دارنا.. ووقفت أمامي
صامتة، تنظر إليّ بعينيها المستغيثتين.. وكانت استغاثتهما في هذا اليوم أكبر
وأعنف.. استغاثة كالصراخ.. ولم أستطع أن أواجه نظرتها طويلاً.. ماذا أستطيع
أن أفعل.. كيف أغيثها وأغيث نفسي.. لاشيئ أستطيعه.. هذه الجدر العالية قائمة
وستظل قائمة.. إنها أقوى مني ومنها .. ومن القرية كلها.. ومن مصر كلها..
ومن العالم أجمع..
وتمتمت :
_ حتتجوزي الليلة يا بت ..

وأكدت على كلمة "بت" كأني أصلب الجدار العالي الذي يقف بيني
وبينها..

ولم ترد علىّ.. ظلت تنظر إليّ بعينيها المستغيثتين ..
وعدت أتمتم :
_ والله كبرتي واتجوزتي يا سبيلة .. مبروك ..

ولم ترد أيضا .. وسحبت عينيها المستغيثتين وجرت من أمامي قبل
أن أرى دموعها..

وأصبحت لاأطيق حياتي في القرية..

بدأت أشعر بطاقة ثورية هائلة تتململ في صدري، وتهدر كأنها على
وشك الانفجار.. لم يعد شيء يرضيني، ولا شيء يكفيكني.. وهذا
الشعب الصغير الذي يحيط بي – شعب القرية – أصبح يمثل حدودا
ضيقة تلتف حولي كقضبان السجن.. عناد أبي وصلابته لم يعد يكفي
لإقناعي.. إني أتطلع إلى حدود أوسع.. إلى معركة أكبر.. وفترات
طويلة من الممل والزهق تنهشني..

إلى أن نلت الشهادة التوجيهية، والتحقت بكلية التجارة، وانتقلت إلى
القاهرة لأقيم في شقة صغيرة استأجرها لي أبي في حي المنيرة..

وخلال الأسابيع الأولى من إقامتي في القاهرة التقيت بعبد الحميد
أبو الدهب.. طالب في كلية الحقوق... يكبرني بثلاثة أعوام.. من
عندنا .. من الدقهلية.. وهو جاد في مظهره.. تبرق عيناه الضيقتان
وسط وجهه الأبيض، وشفتاه الرفيعتان مزمومتان دائماً كأنه يخفي
خلفهما قنبلة، وأنفه الكبير مشفوط دائما كأنه يضيق بالهواء الذي
يتنفسه وشعرات قد سقطت عن رأسه كأنها احترقت بنار فكره..
وبرغم مظهره الجاد لم يكن عبد الحميد متزمتا ولا ثقيل الظل،
بل كان يبدو أحيانا مرحا، وكان يشارك زملاءه في لهوهم وفي
لعب البوكر والكونكان والكومي.. وكانت له قدرة عجيبة على اكتساب
قلوب الناس.. وهو لم يكتسب قلبي فحسب، بل كسب اقتناعي..
وعلمني.. علمني الثورة.. وربما كان اول ما تعلمته منه هو ان كل
هذه المظاهر السياسية والاجتماعية التي تحيط بي، ليست ظواهر
طبيعية.. ليست حقائق علمية كدوران الأرض، وشروق الشمس..
ولكن الذي يصنع الحياة السياسية والاجتماعية هو الإنسان.. وهي
تتشكل حسب قيمة الانسان في بلده.. حسب قدرته.. وحسب حاجته..
حسب ضعفه أو قوته.. واقتنعت.. اقتنعت بأن الملك ليس جالسا على
عرشه لأنه قُدّر له أن يجلس عليه.. وهذه الأحزاب ليست كواكب نثرها
الله في السماء.. وهذه الشخصيات الزعامية التي كانت تملؤني رهبة وانا
أردد اسمها، إنها مجرد ناس.. وكل شيء يمكن تغييره.. أسهل مما تغير
فردة الحذاء...

وبدأت تجتاحني شهوة عارمة للتغيير.. تغيير كل شيء.. حتى التقاليد
الاجتماعية التي عشت حريصا عليها طول عمري، يجب أن تتغير..
والسخط يستبد بي.. سخط عنيف يعذبني.. يحرقني.. وينطلق كألسنة
النار ليحرق كل من حولي.. وضقت بكل شيء.. ضيق فيه مقت، وفيه
كراهية، وفيه ازدراء.. لم أعد اومن بشيء إلا بمعان مجردة، ليس لها
شكل، وليس لها مقر.. الحرية.. العدالة.. الشعب.. التقدم..و..و.. وأسير
دائما خلف عبد الحميد.. يأخذني معه إلى اجتماعات الثوار.. وأشترك
معه في تدبير المظاهرات، وطبع المنشورات وتوزيعها، وتدبير عمليات
التخريب.. وكنت عنيفا حادا، واكتسبت اسما كبيرا بين ثوار الطلبة،
وقُبض علىّ أكثر من مرة.. ويُفرج عني لأعود أكثر عنفا وحدة، ومجال
ثورتي يتسع أمامي ليشمل مصر كلها.. ولكني مازلت أحس في قرارة
نفسي بأن كل هذه الثورة تنطلق من قريتي.. وأن أساس كل التغيرات التي
أسعى إليها هو تغيير ما يجري في قريتي.. أن أعزل كامل مرتضى ..
وأن اذل الأمير ولي الدين سامح.. وأن اهدم أملاك الدائرة التي تحاول أن
تمتد لتبتلع الأربعين فدانا التي نملكها..


^
^
^
^

سهاد
06-26-2007, 09:35 AM
http://e10p.net/Sohad/haider4.jpg

وجاءت أمي لتزورني في القاهرة تحمل أسبتة الفطير المشلتت والزبدة
والقشطة، والعسل، وقفص الفراخ والبط، وتجر وراءها سبيلة..

نعم سبيلة..
حبيبتي سبيلة ..

ونظرت إلى سبيلة في هلع.. كنت أعلم لماذا جاءت بها أمي إلىَ فقد
جرت التقاليد في طبقتنا – طبقة أعيان الريف – عندما ترسل أحد أولادها
إلى القاهرة ليتعلم، أن ترسل معه امرأة من الفلاحات.. قد تكون مطلقة،
أو تكون زوجة.. ولا تكون أبدا بكرا .. لتخدمه وتشبع شبابه حماية له من
نساء المدينة.. إنها تقاليد يقرها الآباء والأمهات ويقرها الفلاحون،\
تقاليد حتى وان كانت في حقيقتها نوعا من الدعارة السرية..

وحاولت أن أجادل أمي :
_ ليه يا امه جبت معاك سبيلة..
ونظرت إلي أمي وقد شق وجهها الطيب ابتسامة خبيثة :
_ أهي يابني تخدمك بدل ما تحتاج لحد من بتوع مصر.. دي بنت زي
الجن..
قلت :
_ بس دي مسؤلية.. وأنا طول النهار بره البيت.. وأخاف اسيبها
لوحدها..
قالت أمي وذكاءها الطب المسكين يلمع في عينيها، وابتسامتها الخبيثة
تتسع :
_ متخافش .. أنا ضامناها .. يعني مش عارف سبيلة ..

وعبثاً حاولت إقناعها ..
وقد عادت امي إلى القرية بعد أيام، ورفضت بإصرار أن تأخذ معها
سبيلة .. تركتها لي ..

وقضيت الليلة الأولى اتقلب في فراشي.. عروقي تتمزق .. ضلوعي
تنطبق على صدري .. أكاد لاأستطيع أن ألتقط أنفاسي.. وسبيلة راقدة في
المطبخ على البلاط.. هل يمكن أن أدعوها إلى فراشي.. هل يمكن أن ينقلب
كل هذا الحب الذي عشت فيه عمري كله، إلى مجرد امراة عابثة في الفراش..

وقمت من فراشي وخرجت من الغرفة.. لا أدري لماذا.. ربما أقنعت نفسي
بأني في حاجة إلى كوب ماء.. وما كدت أفتح غرفتي حتى وجدت سبيلة
مكومة على الأرض بجانب الباب.. ورفعت إليّ وجهها الذي يختلط فيه
لون الأرض بلون المرض، وفي عينيها هذه النظرة المستغيثة..

إنها تعلم لماذا جاءوا بها إليّ.
إنها تعرف دورها ، وقد ارتضته .
ووجدت نفسي أصرخ فيها وانا ارتعش:
_ قاعدة هنا ليه يا بت ..
وقالت وهي تهب واقفة وتقف مرتعشة كرعشتي :
_ يمكن تكون عايز حاجة يا سي مأمون ..
ودون ان ادري ، رفعت يدي وهويت على صدغها .. ثم انهلت عليها
ضربا.. لم اكن اضربها .. كنت أضرب هذه التقاليد .. أضرب هذا الذل..
أضرب نفسي.. وأضرب حبي .. وأنا أصرخ :
_ إوعي تاني مرة تحرجي من المطبخ من غير ما اقولك .. انجري قدامي..
وجرت من امامي مذعورة.

ومضت ثلاث ليال وانا أتعذب ..
أتعذب بثورتي..
وأتعذب بشبابي ..
و أتعذب بحبي ..
وأتعذب بهذه التقاليد ..
ثم لم أعد اطيق .. استيقظت في الصباح، وصرخت فيها :
_ لمي هدومك يا بت ..

ثم أخذتها وهي مستسلمة ودموعها تنبثق من عينيها المستغيثتين، وعدت
بها إلى القرية.. ركبت معها القطار حتى محطة المركز، ثم تركتها تسير
وحدها إلى الكّفْر وهي تتعثر وتنتفض كالعصفور المبلول المكسور الجناح..
ولم أدخل أنا القرية .. انتظرت في محطة المركز حتى ركبت القطار الذي عاد
إلى القاهرة ..

سهاد
12-31-2007, 06:38 PM
http://e10p.net/Sohad/71e54a2891.jpg

ومرت سنوات ..

سنوات عنيفة .. وقوتي تزداد حدة وتهوراً.. لم أعد أرى شيئاً إلا بريق
الثورة.. ولم أعد أريد شيئاً إلا أن تشتد عاصفة الثورة حتى تقتلع كل
الأشجار، وكل البيوت ، وكل الجذور ..

ودخلت السجن مرة أخرى .. وهذه المرة علم أبي، فجاء إلى القاهرة
ليتوسط حتى يُفرج عني .. يتوسط لدى من .. لدى الأمير ولي الدين
سامح .. وقد أُفرج عني فعلا ، ولا أدري هل أفرج عني بفضل وساطة
الامير، أو لأن الحكومة رأت الإفراج عني بلا وساطة.. لا أدري.. ولكني
أحسست بدمائي كلها تنزف من أعصابي عندما علمت أن أبي كان يتوسط لي
لدى الأمير.. إنه لايعلم أن ثورتي ثورة على الأمير.. إنه لايعلم أني سأسير
إلى آخر الطريق حتى أحطم هذا الأمير، وكل الأمراء.. سواء سُجنت أو شٌنقت..
ومن هذا اليوم تعودت أن أحتفظ في البيت بمجموعة من الخطابات كتبتها مقدما
إلى أبي، حتى إذا سُجنت مرة أخرى تولى أحد أصدقائي إرسالها إليه الواحد
بعد الآخر، فيطمئن إلى أني خارج السجن .

وأذكر أيامها أن أبي سألني بعد أن أفرج عني، وهو جالس في شقتي بالمنيرة،
ومسبحته بين يديه، والوقار والهيبة يكسوان وجهه ، وحيته البيضاء
تشع نورا :
_ إوع يا بني تكون شيوعي ..
وسكت .. وترددت .. لم أدرِ بماذا أجيبه .. وعاد صوت أبي الوقور يردد :
_ إوع يا بني .. دول كَفَرَه وملحدين ..
وقلت في اختصار وأنا أدير عيني عنه :
_ لا مش شيوعي ..

والواقع اني لم أكن شيوعيا.. ولم أكن أيضا شيئا آخر.. لاشيوعي ..
ولا إخواني .. ولا وفدي .. ولا دستوري .. فقط ثائر .. ثائر من أجل
المعاني المجردة التي تملأ رأسي، وقلبي، وأعصابي .. الحرية .. العدالة ..
التقدم .. مصر ...
والثورة تستبد بي ..
إلى أن حدثت ..
تحققت ثورة 23 يوليو ..

وبسرعة .. أسرع من خيالي .. سقط كل شيء كالأوراق الهشة المحترقة..
سقط الملك .. وسقط الأمراء .. وسقطت الأحزاب .. وسقط كامل بك مرتضى..
وسقطت دائرة الأمير.. لقد استولت الثورة على الأرض ، ووزعتها على الفلاحين..
صغار الفلاحين ..

ولم يشهد أبي هذا اليوم .. لقد مات في 26 يوليو .. بعد الثورة بثلاثة أيام .. ودفنوه
تحت هذه القبة الخضراء .
وفي هذا اليوم .. يوم الاحتفال بتوزيع الأرض.. اقترب مني رزق العبيط،
وفمه مفتوح، ولعابه يسيل، ثم نظر إلي بعينين خيل إلى أن فيهما لمحة من
الخوف ، وصاح كأنه رأي في وجهي شيئا أخافه :
_ حاسب يا مأمون .. حاسب لتقع ..

ثم ضحك ضحكة كبيرة كريهة وانصرف عني بسرعة كأنه يخاف
مني ..
ولم أعلق يومها أهمية، لما يقوله رزق .. إنه عبيط..

وعدت إلى القاهرة وأنا أشعر براحة .. راحة عميقة حلوة شملت كل
كياني .. ارتخت أعصابي .. وهدأ قلبي .. وخمدت النار في رأسي ..
إني أحس أني أديت واجبي وانتهيت ..من حقي الآن أن أستريح ..

ونعمت بهذه الراحة ..
ولعلي نسيت قريتنا ..

تركت لأخي عبد الرحمن الأربعين فدانا كلها ليديرها.. وبقيت أنا
في القاهرة ..
مستريحا ..