المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نــ 5 ــ صوص


ثامر مهدي
05-28-2008, 12:37 PM
1. الميّتون ..


يبدو أنهم تعبوا.. رغم أنهم تربّعوا يدخنون حول القبر وتحدثوا عن أشياء عدة.. لست

آبهاً بها بعد أن رموا جثتي التي طافوا بها الليل بهذا الذي أسموه قبراً.. سيؤجل دفني ليوم غدٍ.. هكذا قرر دعيّهم برطانة.. كنت أسمع كل شيء وبرد التراب الرطب يتسلل لداخلي..

"لا أحد يمرّ من هنا سوى الكلاب الضالة.. ربما تكفينا مشقة دفنه\" هكذا كان يكرر كبير الإمعات بين حين وآخر وبلا مناسبة. \"الكلاب الضالة\".. علقت بذهني هذه العبارة وأحسست ببهجة المهزوم.. لأنهم أحسنوا الظن بأنفسهم عندما أساءوا الظن بالكلاب الضالة.. أمنيتي الوحيدة.. كانت علم المرأة التي جعلتهم يتكالبون عليّ.. علمها بأمر أخصائي قبل أن يتطاولوا على روحي..

دفعتُ لدعيّهم وطلبتُ منه أن يوصل لها رسالتي لكنه بصق فيها وقام بمضغها وهو يفتعل الغضب.. هو الآن قابل لمضاجعة ذاته دون تردد.. فقد تحسن مزاجه بعد أن ألقى عليّ نظرة وأنا أسعل في الحفرة دون حراك.. وانبرى يتبجح لبقية المستزلمين عن مشاريعه التربوية.. \"فليعلم هذا التافه إلى أي جحيم سيمضى.. جحيم لن يبعث منه كالعادة\"... كنت أسمعه وأضحك في داخلي بشكل يليق بالمناسبة.. رغم أنهم دخنوا وحششوا واسترخوا في وحشيتهم حول ما يدعونه قبراً باطمئنان.. إلا أنهم لن يدفنوني الليلة ! هاهم ينصرفون وقهقهاتهم تؤطر سيل الشتائم التي أتقنوها في معاهدهم الموسيقية وأرقى مختبرات إنسانيتهم..

نسوا القنديل يلهث في ظلمة البرد أو أنهم تناسوه عمداً ليدل عليّ الكلاب الضالة كما قالوا.. حاولت بعد ساعات وبعد توقف نزيف ذاكرتي تحريك يديّ.. فاستجابتا ! حركتُ قدماي .. بجهد.. البرد كان يجمد أطرافي ويحسسني بوجودها أيضاً.. أيقنت بأنني حيّ تماماً فلم أشأ العجلة في محاولة النهوض.. ولكني فضلت التفكير في أمر بزوغي وتقبلي الحياة من جديد. هاهو القمر ينحسر شيئاً فشيئاً في حدود رؤيتي والقنديل الذي تركوه كحسنة غير مقصودة ينتابه الكسل.. قاومتُ الألم بذاكرتي.. تذكرت آخر مرة استقليت فيها القطار..

لم أكن راكباً يقصد السفر وإنما بعد أن صفعتني تلك المرأة في نوبة لا شيء.. أحسست برغبة حقيقة لركوب القطار.. ومعايشة اهتزازاته الرتيبة.. كان القطار ليلتها يهدر تحت القمر.. تخيلت أنه سيصعد.. ويغمسني في لجة النور ثم يهوي من جديد.. لكنني غفوت دون أن أكتب كلمة واحدة..

كان حبُّها ركضاً.. وشوقها ركضاً دون إيقاع.. لذا صفعتني لضبط الإيقاع ! كنت سأنام قطعاً ومطمئناً لو أهالوا عليّ التراب، وأحل معادلتي الصعبة دون الحاجة إلى تفكير.. لكنهم مضوا إلى حيث عقدتهم الأبدية .. ربما لم تك عقدة - كما أظن - ولكنها مجرد معنى لوجودهم وهم عاجزون عن خيانته.. لن أفكر في أمرهم كثيراً فهذا جدّ محبط بالنسبة لي.. علي أن أتذكر الأشياء الجميلة فقط..

مثلاً الصفعة التي تمنيتها تنبت عشباً هادئاً في روحي، هنالك أشياء قاسية.. ولكنها جميلة أيضاً، قادرة على بعثنا دائماً.. جميلة وغالباً ما تكون قاسية.. عليّ أن أستعدّ للنهوض قبل أن تنفذ طاقتي وأغادر هذا المكان قبل أن يعودوا.. لكن.. إلى أين سأذهب؟! هل أضحى العالم باردا ومنكمشاً لهذا الحدّ؟!!.. إلى حدّ \"أين سأذهب ؟\" ليتهم طلبوا مني الاختفاء ولم يتكلفوا كل هذا العناء... لا يمكنهم ذلك.. لأن ما فعلوه بي وجهة نظر أخلاقية..

لا يمكن المساومة عليها أو النكوص عنها.. أو ممارستها بأقلّ من قيمتها.. سأستجمع كل قواي الآن.. وأشد من عزيمتي.. سأحاول قليلاً فصل ظهري عن التراب الذي صار دافئاً نوعاً ما.. هاهو البرد يتسلل كثعبان إلى مساحة ظهري والقمر اختفى بينما القنديل يتثاءب كمن ينتظرني..

لظهري صوت بابٍ مرتوجٍ ولم يُحرك منذ أمد.. الأوجاع جامدة وصلبة كقطع الجليد.. أخيراً مددت يدي اليمنى للأعلى وأمسكت بالحافة الهشة.. استويت جالساً على ركبتيّ .. وتفقدت ما حاولي.. الضباب يغمر المكان..

والجهات اختفت بهذا الانبساط الخاوي.. سأمضي دون أن أحمل القنديل.. فقد يوشي بي للضواري.. كنت بحاجة للجلوس بين الحين والآخر.. كانت التشنجات تجبرني على التمدد أحياناً.. لكني كنت أفكر في حياة ستستقبلني دون وحوش.. فأشد من عزيمتي وأمضي.. أفكر أحياناً في أول إنسانٍ سأراه وأتحدث معه..

هل سأقص عليه حكايتي وأوجع دماغه ببؤسي؟.. وأخيراً سمعت صوتاً يأتي من بستانٍ دون سياج.. مهملاً كما يبدو.. انتحيت ناحية الصوت.. وإذا بكلبٍ يتألم.. عليه خارطة من الجراح الفاغرة..

اقتربت ودون إرادة مني جلست بجانبه تماماً.. ما بك أيها المسكين هل أنت ضال..؟ كفّ عن التصويص ومد عنقه كمن يحتضر.. راقبتُ تنفسه الحثيث.. ورأسه في حضني.. بينما عيناه ببطىءٍ، يضمحل فيهما البريق!!.



ملاحظة : لهذا النص علاقة بنص "اللاّوّاغون"

ثامر مهدي
05-28-2008, 12:50 PM
2- شرشف


"لا أدري يا عزيزتي إن كان ضمير الأخلاق يرغمني على الاعتراف لك الآن. بينما أنا سعيد جدا بمسألة اقترانك بشاب منطلق ووسيم؛ يحق لي الآن البوح بمنأى عن الحزن أو أي ألم، حيث أنه ربما يصبح منذ هذه اللحظة تاريخا يجب عليّ طيه بثقة تامة، ولأنه لم يكن مجديّاً أيضاً،القفز على واقعينا وذلك وباختصار لسببين جليين. لم يكن اخفاقا في تجربتي معها وما زلت أحبها سوى أننا لم نتوصل بعد إلى طريقة مشتركة أو فهم بديهي لذاتنا الواحدة. خلاصة السبب الآخر كما أظن، لها معنى اجتماعي شديد التعقيد ليس بالإمكان تجاوزه أو التحايل عليه، ولا أطالبك بتفكيكه لأنك لست بحاجة الآن إلى التراجع أو الإحساس بالأسى من أجلي. هذا المعنى سوف لا يفتأ يفرز الاحتمالات دون توقف، لأنه مبني على تأويلات حمقاء للمشاعر وارتباطها بالنزوات الجماعية حول صفات المقدس وانعكاساتها على الوعي. كل ما ذكرته الآن هو محض اعتراف يرغمني عليه (كما أظن) ضميري الأخلاقي لا أكثر ... دمت سعيدة. ع. م."

أقسى وأنبل تهنئة تلقتها وجعلتها متكاسلة على سرير الزوجية، هل يقصد أنه كان يعشقني بتحفظ، ولماذا لم يلمح إليّ وكان بإمكانه ذلك دون اللجوء إلى ... (صحيح لم يكن مجديّاً)، بالتأكيد كنت سأشتمه ساعتها لو فعل. وبعد عدة قراءات وتأويلات؛ أحكمت قبضتها على الأقصوصة التافهة ودخلت الحمام لتلقي بها في المرحاض لتدخل في دوران عائم مع المناديل التاريخية والتي بها ما بها وتُسمّر إلى الأبد .

الصباح الأول بعد أن تحولت إلى امرأة ذات جسد آخر وأدركت خريطة لذة لم تسبر مجاهيلها من قبل، وعلى الرغم من أن قميص اللذة لم ينضى بعد إلا أنه صباح يحمل الصداع والخمول. بطل الليلة الفائته لم ينم على ما يبدو منذ أن أفرغ كل تخيلاته المتراكمة، وانتهى من رسم خطوطه على الأرض الواقعية أو فلنقل الجسد البكر. ها هي تسمعه في الردهة يخاطب أمه فخورا بنصره المظفر ولا ينفك يشكرها بابتهاج طفولي .. يا لك من أمّ ذات حس وذوق رفيع، صدقيني يا أمي، هذا لا يكون إلا في أحلامي، أنت اسطورة بحق يا أمي الحبيبة كم تمنيت لو ترين الأحمر الداكن على السرير، هو ليس بالوفير لكنه مهيب بعض الشيء. أذبحي ديكا آخر .. روميا هذه المرة من أجلي يا أمي روميا. ماذا ؟! .. هل حقّا تودين رؤية النصر المؤزر .. حسناً لن أجعلك تنتظرين كثيرا، سأبعثه لك على البريد العاجل .. آلو، آلو، لا أستطيع سماعك جيدا يا أمي، ما هذه الزغاريد التي أسمع .. حسناً، أشكريهم وسلمي على الجميع .. نعم، آلو .. نعم، هي ما زالت نائمة .. هل تودين محادثتها .. حسناً سلمي لي على الكل .. مع السلامة ..

تزيح الشرشف (الملحمة الفريدة) تضعه في كيس وترمي به جانباً، ثم تعود وتستلقي على ذات السرير بعد أن أحست بقرف المكالمة وشيئا من التهميش .. هل كان عليها أن تجري هاتفا مع أمها أيضا، وتدعي أن الألم كان رائعا ومسلياً، ,وأنها بمفاتنها وشبقها ذللت ذلك الحيوان الضاري وجعلته ينهق كحمار منهك.


صباح الفلّ، سأنادي بالإفطار كي تستعيدي نشاطك والحماس ونعاود الكرّة، قاطعته ليس الآن ... توقف مدهوشاً ويده على السماعة ... فكر في كونه ليس تمرداً بالتأكيد، أخذ نفساً عميقاً، واقترب منها هامساً، هل كان مؤلماً، هزت رأسها نافية، سأكون أكثر إنصافاً هذه المرة .. أعدك، لا، .. ليس هذا. ماذا إذا ؟، ليس لي مزاج الآن. يقترب منها أكثر ممسكاً يدها ومحاولاً وضعها على أشياءه الثمينة والتي بدأت تحتقن بالدماء الحارة .. لا يا حبيبتي، لا تكوني مزاجية في كذا أمور. تنهض وتستلقي على الأريكة فاردة ساقيها، تعال يا فحل، يا لوّا .. ، تعال .. تعال ..

ثامر مهدي
05-28-2008, 12:55 PM
3- اللاّوّاغون

هبّت النسائمُ غربية .. وتكاثف حفيف النخيل، كان الكلبُ الضال قد نسي شيئاً من بريق عينيه كإرضاء لوجوده البسيط، وأسلم روحه في حضني .. وبينما أنا أحلم وأحاول تحريك يدي اليمني والتي باتت لا تستجيب؛ خمّنتُ أنها إمّا تخلّفت ولم تلج معي الحلم وإمّا خرجتْ منه وحدها وعلى غفلةٍ مني .. كيف حدث ذلك لا أعلم وليس من واجبي تفسير ذلك. صرخ أحدهم في وجهي .. هيا ناولني ملفك النظيف .. كانت هنالك حزمة من السعف عليها إضبارة .. قلت له .. هل يمكنني ؟ والتفت إلى نفرٍ قصار القامة .. يستفتيهم في الأمر بلكنة استهزاء مقززة ... أصدقائي اللواغون .. طلبه إنساني جداً .. أتدركون كم هو إنساني ؟! بدت مظاهر الإرباك جلية عليهم .. لأن لا يوجد قانون معين ولا حالة طقسية واحدة على ما يبدو .. اللواغون كما يدعوهم عرّابهم ارتجاليون في صنع الكوابيس، كوابيسهم الخاصة، ويميني ليست معي .. ما المشكلة إذاً ... فجأة تبادر لذهني سؤال ملّح .. - بينما كانوا يستعدون لحفلة الحرق، وفكرة الحرق وثيقة بالسعف تماماً لذا هذا ما سيحدث بالتأكيد - من أعطى هؤلاء اللواغين شرعية محاكمتي وما هي قضيتهم ضدي ؟.. لم يخبْ ظنّي أبداً .. إذ دنا مني كبيرهم رافعاً لي صكاً وبرفقته قزم بيده شعلة .. هذا كافٍ ومبررٌ للحرق .. لك أن تعلم ما فيه، لكن هو قرار الأغلبية .. أجل هو قرار الأغلبية ...وبينما كنت أفكر في قضية الأغلبية ومعناها .. أخذ أحدهم تنكة القطران وصار يدلقه على جسدي ,, فصحوت على يد الفلاح الحانية ماسكاً بيميني .. ومعه كوز مترع بمعين البستان هيّا .. انهض: لقد مات الكلب .. الحمد لله لقد مات.

ثامر مهدي
05-28-2008, 01:00 PM
4- شعور بسيط

تنحني لتأخذ شيئاً من الثلاجة، فيسرقُ نظرة خاطفة، يا لهذا الجسد الناضج، آه .. لو تملك المال فقط !!، اللعنة على المال. رغم الشظف الذي تعيشه، ها هي تلبس ما استطاعت من مقتنياتها الرخيصة، قلائد كهرمانية، أساور من زجاجيات ملونة، شرائط زاهية، خواتم معدنية، طوقاً ناعماً، هي أيضاً تهتم لنظراته؛ لأنها أدركت حينما قال ذات عشية ... لقد تأمل الله كثيراً قبل أن يصورك، هل تدركي ذلك؟ مثلما تتقاطرين أنوثة وتشتعلين رغبات غابوية؛ نعم، لقد تأمل كثيراً .. ثم صمتً طويلاً، قبل أن يعود لحديثه العادي جداً. مذاك ، وهي لا تسمع سوى ما قال. هي مقتنعة تماماً بذلك، وتشعر بأنها تستحق الكثير، ولو على سبيل الأمنيات. شعور عميق بات يستحوذُ عليه، خصوصاً بعد أن صارحته بعفوية، بتّ أهمّ شخص في حياتي؛ حينها شعر بأنه عليه أن يتجاهل الفئة، والطبقة، والقبيلة، شعر بأنه جاء إلى الحياة فقط لأجلها، وظن أنه الوحيد الذي يثمله جمالها. مرّر أصابعه بين خصلات شعرها وقبل جبينها ويديها دون أن يتكلم، ثم أخذ كفّها ووضعها على صدره، تماماً ناحية القلب.


يا إلهي، .. نبضكَ، ... سحبت يدها، .. وكررت : " يا إلهي .. يا إلهي" .. عدّة مرات !!

ثامر مهدي
05-28-2008, 01:07 PM
5- الجدار المقدس

كان جداراً سميكاً، من الجلاميد صلباً ومتماسكاً، وكثيراً ما اختلف حول هوية بنائيه والغرض الذي أقيم من أجله، البعض يدّعي أنه أساساً من عمل ذي القرنين، وآخرون يعتبرونه مبكى قدّته الملائكة من جبال القوقاز، وشيدته لأحد أولياء الله الصالحين. رأي آخر يتبناه الفرانكفونيون، بأن هذا الجدار لا يتجاوز ماضيه المائتي عام، استخدمه نابليون بونابرت كمنصة لبنادق الجيش ومظلة للجنود والجياد، كما أطلقت عليه الكثير من المسميات، حائط رضوان، أو الجنة في بعض الأحيان، جدار الرحمة، وحائط أبجاهيا .. أنفاس العشاق أو جدار الختان وإلخ...
العجيب أن أهل البلدة خاطبوا الينسكو والمنظمات التي تعني بهذه الأمور مراراً لكن دون جدوى، ما عدا زيارة خاطفة لخواجة ألماني منذ أربعين عاماً، رافقه فيها جميع من في البلدة عندما علموا أن الزيارة تتعلق بالجدار. كانت حركاته رصد أعين الجميع حتى الأطفال الذين تشبعوا بأدب الجدار وكوابيس الجدار. أتذكر حينها أنني كنت في بداية مراهقتي وكان أخي الذي هو مهندس معماري ويعمل في نشاطات متعددة مفوضاً من قبل عمدة البلدة بمرافقة الخواجة ومناقشته حول الموضوع.. لكني وكما أتذكر الآن، أن الجميع كانوا يشتركون في التشخيص والمناقشة .. فعندما يتكلم الخواجة مع أخي مثلاً ويشير نحو الجدار .. كان الجميع يردد.. يس، يس!

حتى العمدة أتذكر أنه كان يربت على كتف الخواجة مردداً .. ماي فريند، يس ماي فريند!

حيكت حول أخي الكثير من الأقاويل والاتهامات، حين أبلغ سكان البلدة برأي الخواجة...

واعتبره البعض مهرطقاً وأفاكاً .. بينما طفحت قصة التآمر على ما يخفيه أساس الجدار من ذهبيات، وأيقونات، وأموال ...

كانت السنون تمضي والعهد يتقادم، والبلدة تتوسع كثافة وعمراناً، لكن في ثلاثة اتجاهات فقط، ظهر المثقفون والمعلمون والأطباء، لكن الجدار الذي صار يعاني من مشاكل التكلّس لا يزال قوياً وذا هيبة..

كتب ذات مرة أحد منظري الجدار/

في البدء كان الجدار،

ومن ثم تراءت لآدم الأشياء

من الأسماء مجردة ..
فرد عليه أحد الآبقين/


في البدء كان العمى،

ومن ثم العمى يتواثب،

ومن ثم أولاد الجدران

على بنات الجدران.
هكذا تمكن الجدار من فرز الناس وبسط المعايير، اقترح أحدهم ذات مرة في ندوة الجدار الإسبوعية، وكحل عملي لإنقاذ الجدار من مشكلة فقدان الوزن والرونق، طلاء الجدار بلونٍ يصوت عليه جميع البالغين في البلدة ما عدا المارقين والمشككين في قدسية الجدار ...

اسمع أيها المدسوس، وليسمع من تتآمر معهم أيضاً، أن هذا الجدار باقٍ بعزته وكبريائه، مهما حاولتم المسّ والنيل من هذا التاريخ، هذه الهوية... وإن كنا سنطليه يوماً ما فبدمائكم يا أوغاد ... وتجمهرت كل أنواع الهستيريات وتوالت الشتائم والبصاق على ذلك المنكود ..

أصبح الجدار مع الزمن يأخذ دوره في العبادات والقرابين، في العلم والسحر، وتنفيذ العقوبات وإصدارات العفو... خليك جدار، أخلاق رجل مثل الجدار، فتاة عفيفة شريفة لم يقف على جدارها أنس ولا جان... صرامة فكرية كالجدار، قوام ومقام وإلخ ..

الآن يا عزيزتي وقد مرت تلك العقود الأربعة، أنا متأكدٌ بأن دستور الجدار من سيقرر، إن كنت سأدفن في مقبرة المدينة أم عليك أن تجدي مقبرة في بلدة مجاورة لا يحكمها أي جدار

انتظر يا حياتي ما زال لدينا أمل في شفاءك، هكذا أكد لي الطبيب... وسيأتينا رد العمدة مساء اليوم على كل حال...


طرقات شديدة.. تهرع لإستلام الرد/


"لا مانع من حفظ أضداد عبادنا التائبين في ملكوتنا الأعظم"

رولفو
05-28-2008, 03:57 PM
قرأت الأول ثامر
رائع جدا، ومحبوك بشكل مدهش.

في وقت آخر سأقرأ الآخرين، أو بكل مرة ساقرأ واحدا لأستمتع أكثر.

سببرسس
06-20-2008, 11:59 AM
وأنا قرأت الأول مجدداً، به ما يتقاطع مع روحي هذه الآونة.
هذه النصوص مدهشة يا ثامر ، مذهلة بشكل لا يصدق..

رائع :soso:




.

سببرسس
06-20-2008, 12:01 PM
يثبت الموضوع أسبوعاً، بشكر لكاتبه الأديب ثامر مهدي، على روائع تضيء في هذا القسم :soso:





.

مُدن
06-20-2008, 06:15 PM
نصوص مرهقة حدّ الإدهاش ..

شكراً للكوكب ، عليك .

مُضيئة
06-24-2008, 11:15 PM
.



نصوصك هذه تشبع فينا حب اللغة
المحبوكة قصصاً كل واحدة أجمل من الآخرى :flow: