المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إله صامت ..


محمود العزامي
05-27-2008, 07:11 AM
مات بالأمس صاحب الجزدان ، وترك قميصين وعلبة سجائر وحذائين وولداً .
لو كنت أعلم ، يا صديقي ما تركتك تموت بعيداً عني ، لكن ليس ينفع الكلام الآن ، في آخر مرة شاهدته فيها كان بصره يجول أركان الغرفة، كأنه يتفقدها ، منظره يشبه طفلاً ، هل كان يوماً طفلاً ، أشك أنه كان ، أرسلني لأشتري له سجائر ، وتأخرت ، لم يقل لي أنني تأخرت ، لسبب بسيط ، أنني أعلم ذلك ، ولم يجد داعياً للتكرار ، تمنيت على هذا الرجل أن ينهرني أو يضربني أو يشتمني ، خلته يفعلها لذلك تأخرت ، كان وجهه غارقاً في رقة مهيبة ، لكن السواد المهيمن على خديه بدا لونه أبيض ، ضارباً في صفرة جميلة ، شفتاه مطبقتان بعفوية ، أظن أنهما مهددتان بضحكة … سيضحك في أي لحظة ، "جواربه" ملفوفتان في زاوية الغرفة ككرتين حمراوين ملتهبتين ..
هكذا عشت مع هذا الرجل ردحاً من الزمن ، لم يزعجني ، ترى هل أنني لم أفهمه ، هل فكر بإزعاجي ، هل فهمني ، الله أعلم ، جميع العمال كانوا يتذمرون ويتصايحون أما هو فلا ، يقولون : " كان يلف سيجارته ، ثم يشعلها ويهب واقفاً ، يعمل في ذروة الهجير " ، أشعر أن الشمس تخشى هذا الرجل ، كنت أعتقد أن أبي هذا الإله الصامت ، لن يهزمه المرض ، حين يتكلم مع رفاقه العمال ، كان يتبادل معهم كلمات موجزة وخافتة ، أحياناً يعبر بالحركة ، أكثر من اللغة ، يعمل أكثر مما يتكلم ، يدندن بشيء ما ، لست أعرفه ، وعندما يحس بحركة شيء ينظر نظرة واحدة يختارها يميناً أو شمالاً ، ثم يواصل العمل . هل كان يمكن الدخول في بواطنه ؟ كيف يمكن ذلك ، جسده صغير لكنه مشدود كحبل ، يزداد الحبل اشتداداً ، حتى يدخل في فراشه بشكل اعتيادي ، كنت أسمع شهيقه مستبعداً أنه يبكي !! كنت أسأله عن حاله ، وأمي وقصته . وأقول : " الخلق عيال الله " . ألسنا عيال الله يا أبي ؟ يتجهم وجهه لحظتها أحس أنه سيغضب ، وينفجر في وجهي !! لكنه يصمت ، صمته كان جارحاً ، يضمحل صوته في بحة واضحة : " أمك تركتني لأني فقير ومعدم " ، لا يمكن الولوج الى بواطن هذا الرجل الذي يسمى أبي ، " بحثت عن رجل غيري لديه مال ثم وجدته " أشعر أنه كان يتعين عليه أن يبكي لكنه لا يفعل " بالتأكيد هي سعيدة الآن يا ولدي " يقعي في زاوية الغرفة وحيداً ، ويقول : " ابتعد عني الآن " . فابتعد . هل لديك يا أبتاه استعداد أن نموت معاً ، هل موتنا هو " مربط الفرس " ، أين مربط فرسك يا أبي ، يعرف نفسه جيداً كخلطة الأسمنت ، يكون وسيماً كسحابة ، وهو في حالة فرز أحزانه ، أشعر أنه حاول أن يحصي أفراحه فلا يجد شيئاً ، " تطلعت في عيني وقالت : " كم أنت جميل ، ثم ذهبت " ، آلامه تطفو على السطح ، قفزت منه الذكريات ، ومع هبة الريح ، شعر أنها تحتج من أجله ، مع شعور أنه يتبدد كغبارها ، يتذكر وكفى ، هذه فعلته غالباً ، يشجب نفسه بنفسه " لم أجرح شعورها بكلمة ، أحببتها على الدوام " الله كم كان حاذقاً يحسب نفسه أكذوبة محبوكة من دم ولحم وعظم ، ولأول مرة ، يعاقب نفسه ، ويبصق باتجاه اللاشيء : " هل أنا محدد ، أنا هراء الهباء ، ومماته " ثم قال : " أنا لا أكرهك ، أنت تعلم ولكن لا يهم القول !! " ..
في الطريق الى العمل ، يحث قدميه على السير متباعدتين ، يبكي بصمت الذي ينتظر عقوبة هامة " لو كان لدي مال ما تركتني " ، كرر كلمة هباء أو هراء ، لا أحد يعلم ، الله وحده يعلم ، وهو يعلم أيضاً . ماتت أم طاهر أخيراً وتركت رجلاً متصلب القلب ، ينوح كبعير أخرق ، كطفل ، كبومة ، من الصعب أن يتصالح بعدها مع الناس ، يشعر أنهم أحذية صغيرة ومحززة ، وأم الطاهر أمه ، أما أمي لا أعرف من أمرها شيئاً ، سمعت عدة روايات حولها ، أشعر أن جميعها كاذبة ، أبي عاش مع الضنك دهوراً صماء ، كنت أراه يموت أمامي .. يتفرس في أحزانه الداخلية ، لكنني لا أسمع نواحه الداخلي كأنه يسجد لتلك الأحزان ، أو ربما هي تسجد له ، لست أدري ، لكن ابتسامته كانت ابتسامة رجل متدين .. هكذا يبدو الآن لي .
أما جزدانه الذي تركه لي فكان فارغاً تماماً ، لكنني كلما فتشته من جديد . أرى على جداره رجلاً بكامل هيبته يبتسم للفراغ .

Samy Abul-Ela
05-27-2008, 02:35 PM
terrific...... good work ;)

رولفو
05-28-2008, 08:55 AM
الله يامحمود
هنا فن خال من الشوائب.
بساطة وأناقة مكتملة بهذا النص.

ثامر مهدي
05-28-2008, 11:41 AM
أستاذ محمود

... كنت أقرأ وكأنما أحد يدفعني لأن أنهي بسرعة ,,

هناك ثيمات، أعتبرها ضرورية جداً في السرد، وغالباً ما يبتكرها الكاتب أي أنها لا تأتي جاهزة ولكن باختبار عميق للحياة والانفعالات ,, مثل، ينتظر عقوبة هامة، شفتاه مهددتان بضحكة ,, وإلخ

دمت بود

سببرسس
05-30-2008, 11:16 AM
لو أن أحدهم قرأ لي هذا النص القصصي العالي، كنت سأصعد مغمضة العينين هاتفة "إنه لمحمود العزامي".
هكذا هو الكاتب الحق، يطرح قضاياه ورؤاه وتفاصيل الناس، بلغة وروح واحدة، لكن الأجواء تختلف بين قصة وأخرى، دون أن تضللك.

دائماً مع العزامي أصل إلى هدفه النبيل من قصته، ولا أتوه :soso:




.

محمود العزامي
05-30-2008, 02:00 PM
terrific...... good work ;)

شكرا لمروكم
وقراءتكم
وتعليقكم
ممتن من القلب :soso:

محمود العزامي
05-30-2008, 02:04 PM
الله يامحمود
هنا فن خال من الشوائب.
بساطة وأناقة مكتملة بهذا النص.


طابت لي قراءتكم ، وأحسست أن الأصدقاء وحدهم قادرون على إضافة لمسة جمال حقيقية إلى النص من بعد كتابته، لكم أحر باقات الاحترام على المرور والقراءة والتعليق ، وأضيف : عندما يُقرأ النص يتحقق شرط وجوده الأول ، وأحمد الله أن كتابتي وجدت شرط وجودها .
طبتَ
صديقي:soso:

محمود العزامي
05-30-2008, 02:09 PM
أستاذ محمود

... كنت أقرأ وكأنما أحد يدفعني لأن أنهي بسرعة ,,

هناك ثيمات، أعتبرها ضرورية جداً في السرد، وغالباً ما يبتكرها الكاتب أي أنها لا تأتي جاهزة ولكن باختبار عميق للحياة والانفعالات ,, مثل، ينتظر عقوبة هامة، شفتاه مهددتان بضحكة ,, وإلخ

دمت بود

أشكر مروركم وتعليقكم أستاذي الكريم ، وأضيف على ما تفضلتم به : ربما تتم الحيلة الصغيرة في سياق التفاصيل ، بعدوى من حيلة كبرى ؛ نحلم بها لإبدال وجه الواقع ، بوجه أجمل، وجه يحتمل أن يرانا نحلم طولا وعرضا دون أن يرافقه أن تغضنات ، أبهجني مروركم وتعليقكم ،
دموا
واسلموا ..:soso:

محمود العزامي
05-30-2008, 02:16 PM
لو أن أحدهم قرأ لي هذا النص القصصي العالي، كنت سأصعد مغمضة العينين هاتفة "إنه لمحمود العزامي".
هكذا هو الكاتب الحق، يطرح قضاياه ورؤاه وتفاصيل الناس، بلغة وروح واحدة، لكن الأجواء تختلف بين قصة وأخرى، دون أن تضللك.

دائماً مع العزامي أصل إلى هدفه النبيل من قصته، ولا أتوه :soso:




.

الأخت طيبة الروح روعة :
لا أخبيء سرا عندما أكرر في نفسي إن كلماتك تجلب لي إحساسا مضاعفا بـ(روعة) حقيقية ، قليلون أولئك الناس القادرون على إبقاء أثرا مديدا طيبا في غيرهم ، لم أرد يوما من الأيام أكثر من تبادل الرأي حول ما أكتبه ، خاصة النصوص التي تمكث زمانا طويلا في ذواتنا قبل كتابتها ، وجاءت كلماتك أيتها الأخت لترسخ إحساسي أن المبتلين بالحروف لم يعودوا وحيدين تماما ، هناك من يشاركهم خصوصيتهم ، ويعرف كيف يسرّب إلى أرواحهم الفرح ..
دمت
أختا
وصديقة :soso:

فضاءات
05-31-2008, 04:10 PM
أدركت بأن كل قراءة لنص جديد لمحمود العزامي هي تجديد عهد ببهجة ممتدة
التقاط الانفعالات والعواطف الصغيرة المراوغة منح النص قدرة مدهشة على رصد هذه الأراوح المتعبة التي انهكتها الحياة المثقلة وهدّتها الغربة.

متابعتي الدائمة

فضاءات
05-31-2008, 04:26 PM
الأخت طيبة الروح روعة :
لا أخبيء سرا عندما أكرر في نفسي إن كلماتك تجلب لي إحساسا مضاعفا بـ(روعة) حقيقية ، قليلون أولئك الناس القادرون على إبقاء أثرا مديدا طيبا في غيرهم ، لم أرد يوما من الأيام أكثر من تبادل الرأي حول ما أكتبه ، خاصة النصوص التي تمكث زمانا طويلا في ذواتنا قبل كتابتها ، وجاءت كلماتك أيتها الأخت لترسخ إحساسي أن المبتلين بالحروف لم يعودوا وحيدين تماما ، هناك من يشاركهم خصوصيتهم ، ويعرف كيف يسرّب إلى أرواحهم الفرح ..
دمت
أختا
وصديقة :soso:

في زمن الثقافة المعلّبة والفكرة المعلّبة والذائقة المعلّبة من الطبيعي أن يصبح المبتلون بالحروف قليلون حد الوحدة.
عنّي ادركت بأن كل عمل فني في زمن السقم الثقافي الذي نعيشه لن يكون له صدى كبير الا بحجم سقمه وسخفه, فمن الطبيعي حينها أن يكون كل ما يزداد جودة ازداد غربة .

صديقي محمود أنت مبتل بالوعي والإبداع فلا ظير أن تبللك الوحدة

رنـد
05-31-2008, 04:44 PM
هذا النص مخاتل .. وعبقري ..

قرأت الجملة الأولى

مات بالأمس صاحب الجزدان ، وترك قميصين وعلبة سجائر وحذائين وولداً .

وحالما اندمجت مع ضفيرة السرد نسيت الجملة الأولى تماماً ..

حين وصلت هنا :

أما جزدانه الذي تركه لي فكان فارغاً تماماً ، لكنني كلما فتشته من جديد . أرى على جداره رجلاً بكامل هيبته يبتسم للفراغ .

صُدمت وشعرت وكأنني اكتشفت للتوّ أن الرجل قد مات !


الأكيد أن كل كلمةٍ هنا تبني صورةً بحد ذاتها، لجمالها تُنسيك ما قبل وما بعد ..
رائع يا محمود.