الراوي
05-22-2008, 08:30 PM
ـ لا لا .. إنه يؤلم .. آه
-قليلاً .. لا تتحركي .. لاتتـ .
ــ ....
-أو .. لا تتحركي .. نعم .. نعم
-آه .. آ آ آه ..
صوت الباب يصفق بقوة ..
-أبي !
-لا .. باب الحمام .. الريح ..
خطوات هامسة .. صرخة : ماذا تفعلان ؟!
-أبي !
يرمقها بنظرات غاضبة ساخطة ، يلتفت إلى زوجته معاتباً ..
-لقد أخذتها إلى ..
-أنا جائع .
تهرول زوجته إلى الخارج ، تتركهما معاً ، يعود ليرمقها بتلك النظرات التي تعرفها جيداً ، تخفض رأسها ببطء وحذر تتنهد بارتياح ، لكنه ارتياح مؤلم ، تركت عنقها يسقط إلى الخلف ، تحدق إلى .. يدان مرفوعتان إلى أعلى مشدودتان معاً بحبل ينتهي بحلقة حديدية معلقة بالسقف ، تبتسم تسخر من ابتسامتها ، تسخر من الغرفة ورائحتها القديمة ، تسخر من نفسها وحياتها المعلقة بحبل قديم ورجل عتيق .
تتذكره .. ما زالت تتذكر وجهه الأسمر ، عينيه الكبيرتين ، وقامته الرفيعة وأهم من كل ذلك لسانه الطليق ، لا يمكن أن يكون ريفياً ، هذا ما كانت تقوله ، فيرد عليها مازحاً بل أنا ابن هذه الأرض .. لكني مختلف عنكم ولدت وفي لساني أحلى الكلام ، حتى ضحكته مختلفة ، حدثت نفسها ، قبلاته عندما سمحت له أن يقبلني تختلف عن قبلات أمي وأبي .. أبي لا أتذكر أنه يوماً قبلني ، يفضل أن يقبل الأرض على أن يقبلني .
تنظر إلى الحلقات المرسومة في معصمي يديها ، جروح غائرة ملتهبة اعتادت عليها ، لكن من يراها بالتأكيد سيغشى عليه .
يراها ! من وكيف ؟ لا أعرف سوى وجه أمي التعس ووجه أبي الــ ...
يتمهل النهار في المغادرة ثم يأتي الليل في استحياء .. لكن لا فرق عندها ، من يعش في الظلام لا يحسب الساعات والأيام .. هذا ما كانت تردده لنفسها .
هاهي خطواته الثقيلة .. ثقيلة لدرجة أشعر بها تطقطق عظامي ، رائحته مثل الزريبة ، مازلت أذكر رائحة الزريبة كلما قدم ، يرميها كلها على وجهي كلما تنفس ، يفك الحبال عن يديه بطريقة لا تسمح لأصابعه المتصلبة أن تلمسني ، لا يريد أن يوسخ يديه بي ، تم يتركني أسقط ، يذهب ويصفق خلفه الباب ، ما الفرق أن أبقى معلقة بالحبال متضرعة يداي إلى أعلى ، أو أن أبقى جالسة محدقة صوب الباب انتظره ليعيد إلى جسمي ارتفاعه ، مازلت أذكره عندما كان يدخل عبر الباب مندفعاً بعد صلاة الفجر ويراني نائمة فيقوم بركلي بقوة ويرفعني ، ويشد الحبال حول معصمي ، بكل ما أوتي من قوة ، لكن الآن .. يدخل بتمهل ، يجدني في انتظاره أرفع بقايا جسدي ، يشد الحبال حول معصمي ، يصفق الباب ويرحل ، لكنه لا ينسى أبداً أن يرمقني بتلك النظرات التي أعرفها جيداً وأكرهها .
تقبلها في جبينها ، تمسح العرق عنها ثم تبدأ في إطعامها .
-أمي
-....
هل رأيته اليوم ؟
تهز رأسها : نعم رأيته .
-أما زال فتياً !
تتطلع إلى ابنتها، تتردد في الإجابة .. تستدير إلى الخلف بارتباك توهم ابنتها بأنها تضع صحن الطعام على الأرض ، وتقول مع شيء من الخوف : لقد غزا الشيب رأسه .
-آه
-...
-ابنته ! .. مازال اسمها على اسمي .
ما العيب أن نحب ، بل ما العيب لو أنا أحببت ؟ هذا كان سؤالي ، يرى أنه تمرد على تقاليده التي رسمها لي منذ أن ظهرت إلى الحياة ، منذ أن كشف أني لا انتمي إلى فصيلته .
بنت ! هكذا كان يناديني لم أسمعه يوماً يلفظ اسمي أو يبتسم لي ، مجرد قطعة قديمة تالفة أخطأ في شرائها فوضعني في زاوية بعيدة في المنزل، عندما عرفته أيقنت أن ليس كل الرجال مثل أبي ، أحببته منذ أول كلمة سمعتها منه ، كلما لفظ أسمي أشعر به وكأنه يسلب روحي من جسدي حيث يتركه دون روح ، ما زلت أشعر بلمساته في جسدي لها أثر يوازي أثر الجرح، تركته يقبلني يداعب شفتي بشفتيه ، ويتلصص بأصابعه جسدي ، حرارة، عناق حتى ذات مرة رآنا أبي ونحن في حالة عناق مختبئين في الزريبة ، يهرول الحبيب هارباً ، تهوي أيادٍ عديدة على وجهي ، لكنها لم تكن سوى يدي أبي ، تتدخل أمي .. يضربها أيضاً ، يرفع
خنجره عالياً ليقطع به عنقي ، تفلت أمي راكعة تصرخ تبكي راجية السماح والستر ، ينزل يديه ببطء ، تم يأمرني أن أرفع ثوبي تهز لي أمي رأسها ، يدخل أصابعه يفتش ، أتبول عليها.
عاد في المساء يحمل حبالا متينة ، أخدني إلى الغرفة السفلى وشد يديّ بالحبال حيث تركني معلقة .. أشاع بعد ذلك بأني تزوجت رجلاً قريباً له ورحلت معه إلى المدينة .
-نعم .. مازالت ابنته تحمل اسمك ، هكذا كان صوت الأم ضعيفاً .
خرجت تجر خلفها سنوات من الآلام، ولجت إلى غرفتها ، تأملت زوجها من النافذة وهو يحرث الأرض كما حرث جسدها . راقبت ساعديه وهما يلمعان من العرق . لا يمكنها أن تنسى عندما كانا يهويان ضرباً وصفعاً على جسدها وابنتها وأصابعه التي راحت تفتش بين فخذي ابنتها ، لم تسأله ماذا اكتشفت هذه الأصابع وكان جواب أبنتها البكاء كلما سألتها عن علاقتها بالفتى ، إذ تعرف من تلك العينين الغارقتين بالدموع مدى صدقها وكذبها ، لكن الدموع الآن قد جفت ، أحاطت عينها هالة كبيرة من الحزن ، أسندت رأسها على فراشها ، وأغمضت عينيها إذ تمنت نوماً لا تصحو منه .
دهشت ، لماذا يأتي الآن ، أين أمي ؟ كان واقفاً أمام الباب يحدق فيها ، لكن نظرته هذه المرة تختلف - حزينة ضعيفة ، صاحت بارتياب: أين أمي ؟
لم يقل شيئاً أخرج خنجره من خصره تطلعت إليه، قطبت حاجبيها متسائلة بخوف غريب ، رسمت على جبينها خطوطا بريشة الزمن .
عادت تصيح: ماذا تفعل ؟ أين أمي ؟ أمي ..
أغلق الباب ، خطا نحوها ، وبين أصابعه خنجره ، وقف أمامها لم يعد يحمل رائحة الزريبة ، لكنه كان يحمل شيئاً أخر في عينيه، كأنما هما مطموستان في بركة ماء .. ماتت .
لم يكن صوته ، ولا صوتها ، كان صوت الزمن ، فلتت منها كلمات : قتلتها .. قتلتها .. لماذا ؟!. تأملت الخنجر لعلها ترى أثر والدتها فيها .. مضى الوقت ، وكل منهما يحدق في الآخر ، لم تعد ترهبها هاتان العينان فقد بدتا أمامها ضعيفتين بائستين ، كان الموت دائماً يتلفع بقناع والدها .
ماذا ينتظر ؟ لماذا لا يقتلني ؟
هتفت : هيا اقتلني .. ماذا تنتظر .. لا تعذبني.
تراخت أصابعه وسقط الخنجر على الأرض .
تمتمت هامسة وبريبة : أبي .. أبي وتردد صوتها في المكان وبدا وكأنه مثلها سجين انفجرت باكية: هيه ؟ أنت أيها العجوز لا تتركني هكذا .. اقتلني .. اقتلني ، لا جواب سوى صدى صوت الفتاة وبكائها سقط الظلام عليهما سقطته الأخيرة، وهما واقفان لا يتحركان .
-قليلاً .. لا تتحركي .. لاتتـ .
ــ ....
-أو .. لا تتحركي .. نعم .. نعم
-آه .. آ آ آه ..
صوت الباب يصفق بقوة ..
-أبي !
-لا .. باب الحمام .. الريح ..
خطوات هامسة .. صرخة : ماذا تفعلان ؟!
-أبي !
يرمقها بنظرات غاضبة ساخطة ، يلتفت إلى زوجته معاتباً ..
-لقد أخذتها إلى ..
-أنا جائع .
تهرول زوجته إلى الخارج ، تتركهما معاً ، يعود ليرمقها بتلك النظرات التي تعرفها جيداً ، تخفض رأسها ببطء وحذر تتنهد بارتياح ، لكنه ارتياح مؤلم ، تركت عنقها يسقط إلى الخلف ، تحدق إلى .. يدان مرفوعتان إلى أعلى مشدودتان معاً بحبل ينتهي بحلقة حديدية معلقة بالسقف ، تبتسم تسخر من ابتسامتها ، تسخر من الغرفة ورائحتها القديمة ، تسخر من نفسها وحياتها المعلقة بحبل قديم ورجل عتيق .
تتذكره .. ما زالت تتذكر وجهه الأسمر ، عينيه الكبيرتين ، وقامته الرفيعة وأهم من كل ذلك لسانه الطليق ، لا يمكن أن يكون ريفياً ، هذا ما كانت تقوله ، فيرد عليها مازحاً بل أنا ابن هذه الأرض .. لكني مختلف عنكم ولدت وفي لساني أحلى الكلام ، حتى ضحكته مختلفة ، حدثت نفسها ، قبلاته عندما سمحت له أن يقبلني تختلف عن قبلات أمي وأبي .. أبي لا أتذكر أنه يوماً قبلني ، يفضل أن يقبل الأرض على أن يقبلني .
تنظر إلى الحلقات المرسومة في معصمي يديها ، جروح غائرة ملتهبة اعتادت عليها ، لكن من يراها بالتأكيد سيغشى عليه .
يراها ! من وكيف ؟ لا أعرف سوى وجه أمي التعس ووجه أبي الــ ...
يتمهل النهار في المغادرة ثم يأتي الليل في استحياء .. لكن لا فرق عندها ، من يعش في الظلام لا يحسب الساعات والأيام .. هذا ما كانت تردده لنفسها .
هاهي خطواته الثقيلة .. ثقيلة لدرجة أشعر بها تطقطق عظامي ، رائحته مثل الزريبة ، مازلت أذكر رائحة الزريبة كلما قدم ، يرميها كلها على وجهي كلما تنفس ، يفك الحبال عن يديه بطريقة لا تسمح لأصابعه المتصلبة أن تلمسني ، لا يريد أن يوسخ يديه بي ، تم يتركني أسقط ، يذهب ويصفق خلفه الباب ، ما الفرق أن أبقى معلقة بالحبال متضرعة يداي إلى أعلى ، أو أن أبقى جالسة محدقة صوب الباب انتظره ليعيد إلى جسمي ارتفاعه ، مازلت أذكره عندما كان يدخل عبر الباب مندفعاً بعد صلاة الفجر ويراني نائمة فيقوم بركلي بقوة ويرفعني ، ويشد الحبال حول معصمي ، بكل ما أوتي من قوة ، لكن الآن .. يدخل بتمهل ، يجدني في انتظاره أرفع بقايا جسدي ، يشد الحبال حول معصمي ، يصفق الباب ويرحل ، لكنه لا ينسى أبداً أن يرمقني بتلك النظرات التي أعرفها جيداً وأكرهها .
تقبلها في جبينها ، تمسح العرق عنها ثم تبدأ في إطعامها .
-أمي
-....
هل رأيته اليوم ؟
تهز رأسها : نعم رأيته .
-أما زال فتياً !
تتطلع إلى ابنتها، تتردد في الإجابة .. تستدير إلى الخلف بارتباك توهم ابنتها بأنها تضع صحن الطعام على الأرض ، وتقول مع شيء من الخوف : لقد غزا الشيب رأسه .
-آه
-...
-ابنته ! .. مازال اسمها على اسمي .
ما العيب أن نحب ، بل ما العيب لو أنا أحببت ؟ هذا كان سؤالي ، يرى أنه تمرد على تقاليده التي رسمها لي منذ أن ظهرت إلى الحياة ، منذ أن كشف أني لا انتمي إلى فصيلته .
بنت ! هكذا كان يناديني لم أسمعه يوماً يلفظ اسمي أو يبتسم لي ، مجرد قطعة قديمة تالفة أخطأ في شرائها فوضعني في زاوية بعيدة في المنزل، عندما عرفته أيقنت أن ليس كل الرجال مثل أبي ، أحببته منذ أول كلمة سمعتها منه ، كلما لفظ أسمي أشعر به وكأنه يسلب روحي من جسدي حيث يتركه دون روح ، ما زلت أشعر بلمساته في جسدي لها أثر يوازي أثر الجرح، تركته يقبلني يداعب شفتي بشفتيه ، ويتلصص بأصابعه جسدي ، حرارة، عناق حتى ذات مرة رآنا أبي ونحن في حالة عناق مختبئين في الزريبة ، يهرول الحبيب هارباً ، تهوي أيادٍ عديدة على وجهي ، لكنها لم تكن سوى يدي أبي ، تتدخل أمي .. يضربها أيضاً ، يرفع
خنجره عالياً ليقطع به عنقي ، تفلت أمي راكعة تصرخ تبكي راجية السماح والستر ، ينزل يديه ببطء ، تم يأمرني أن أرفع ثوبي تهز لي أمي رأسها ، يدخل أصابعه يفتش ، أتبول عليها.
عاد في المساء يحمل حبالا متينة ، أخدني إلى الغرفة السفلى وشد يديّ بالحبال حيث تركني معلقة .. أشاع بعد ذلك بأني تزوجت رجلاً قريباً له ورحلت معه إلى المدينة .
-نعم .. مازالت ابنته تحمل اسمك ، هكذا كان صوت الأم ضعيفاً .
خرجت تجر خلفها سنوات من الآلام، ولجت إلى غرفتها ، تأملت زوجها من النافذة وهو يحرث الأرض كما حرث جسدها . راقبت ساعديه وهما يلمعان من العرق . لا يمكنها أن تنسى عندما كانا يهويان ضرباً وصفعاً على جسدها وابنتها وأصابعه التي راحت تفتش بين فخذي ابنتها ، لم تسأله ماذا اكتشفت هذه الأصابع وكان جواب أبنتها البكاء كلما سألتها عن علاقتها بالفتى ، إذ تعرف من تلك العينين الغارقتين بالدموع مدى صدقها وكذبها ، لكن الدموع الآن قد جفت ، أحاطت عينها هالة كبيرة من الحزن ، أسندت رأسها على فراشها ، وأغمضت عينيها إذ تمنت نوماً لا تصحو منه .
دهشت ، لماذا يأتي الآن ، أين أمي ؟ كان واقفاً أمام الباب يحدق فيها ، لكن نظرته هذه المرة تختلف - حزينة ضعيفة ، صاحت بارتياب: أين أمي ؟
لم يقل شيئاً أخرج خنجره من خصره تطلعت إليه، قطبت حاجبيها متسائلة بخوف غريب ، رسمت على جبينها خطوطا بريشة الزمن .
عادت تصيح: ماذا تفعل ؟ أين أمي ؟ أمي ..
أغلق الباب ، خطا نحوها ، وبين أصابعه خنجره ، وقف أمامها لم يعد يحمل رائحة الزريبة ، لكنه كان يحمل شيئاً أخر في عينيه، كأنما هما مطموستان في بركة ماء .. ماتت .
لم يكن صوته ، ولا صوتها ، كان صوت الزمن ، فلتت منها كلمات : قتلتها .. قتلتها .. لماذا ؟!. تأملت الخنجر لعلها ترى أثر والدتها فيها .. مضى الوقت ، وكل منهما يحدق في الآخر ، لم تعد ترهبها هاتان العينان فقد بدتا أمامها ضعيفتين بائستين ، كان الموت دائماً يتلفع بقناع والدها .
ماذا ينتظر ؟ لماذا لا يقتلني ؟
هتفت : هيا اقتلني .. ماذا تنتظر .. لا تعذبني.
تراخت أصابعه وسقط الخنجر على الأرض .
تمتمت هامسة وبريبة : أبي .. أبي وتردد صوتها في المكان وبدا وكأنه مثلها سجين انفجرت باكية: هيه ؟ أنت أيها العجوز لا تتركني هكذا .. اقتلني .. اقتلني ، لا جواب سوى صدى صوت الفتاة وبكائها سقط الظلام عليهما سقطته الأخيرة، وهما واقفان لا يتحركان .