المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رجل القيروان


الراوي
05-10-2008, 10:43 PM
[



ــــ لن نغادر المكان ، إلا و رؤوسنا مرفوعة .
هذا الصوت أعرفه ، لا يمكن أن أنساه ، قويّ رنان .توقفت ودخلت مكتباً كبيراً مكتظاً بالموظفين . وقف أمامهم رجل ضخم الجثة وبيده ورقة يلوح بها إلى أعلى كلما صاح ، وكانوا يصفقون له في حرارة ..صاح :
سوف نحارب إلى آخر موظف ..ودوى التصفيق بحرارة ..
وقفت أراقبه ، لم يتغير. إنه كما هو ، رجل قوي قيادي فصيح ، بارع في الإقناع حتى لو كان على خطأ ، يقنعك بطريقة عجيبة دون أن تشعر بأنه ليس على صواب ، هو المتحدث الأول والأخير .
هاهو الآن يقف أمامي ، لم يتغير ، سوى بضع شعرات بيضاء ، قال :
العين بالعين و...
ابتسمت ، رآني ، عيناه حادتان ، خرجت ، كنت أعرف بأنه يراقبني ، سألت نفسي : لم الرجل أحيانا لا يتغير ، في عقله وشكله ؟ التقيت به أول مرة قبل خمس عشرة سنة في مركز ثقافي ، كعادته يحب التجمعات ، حوله بعض الزملاء، شدني صوته وثقافته .
يتكلم عن الأدب والشعر ، لم أعرف في ذلك الوقت أنه شاعر ، وقفت أمامه أستمع إليه ، تكلم كثيرا ، وسيجارته لا تغادر يده أو فمه .
لكل سؤال عنده جوابه ، يستمتع في الكلام وكنا نحن نستمتع به ، اكتشفت أنه مغرور ، مغرور بكبريائه وثقافته ، ألقى علينا قصيدة طويلة قال إنها للقيروان لم أعد أذكر كلماتها لكنها تركت شيئا ًجميلا في نفسي ، لم أعرف كم مضى من الوقت ونحن حوله .
لكل بداية نهاية ..وفجأة سكت ، تفرق الجميع من حوله ، وذهبت ، لكن صوتا هامسا لحقني ، قائلا:
يا أنتِ.. يا آنسة !
التفت إليه ، كان واقفا أمامي بجسده الكبير. قلت :
كيف عرفت أني آنسة ؟!
قال :
أناملك الرقيقة لا تزينها الذهب .
ـــ إذن ماذا تريد ؟


ـــ جذبني مطهرك ..وجهك الحزين و.. برودة عينيك.
ابتسمت بسخرية ، وقلت :
لا يخدعنك وجهي الحزين أو برودة عيني .
وذهبت ، كعادته كان يحب أن يكون أول المتحدثين وآخرهم، سمعته يقول :
تلك القصيدة كانت لك.
أخبرتني صديقتي أن الرجل كان يأتي يوميا إلى المركز على غير عادته، وفي آخر مرة سأل عني . التقيت به مرة أخرى في المركز، كان وحده جالسا يبعثر أصابعه في أوراق كتاب ، شاهدني ، تعمد أن يتجاهلني . عيناه تتلصصان وكأنهما تفتشان جسدي.
التففت أنا من حوله ، رفع رأسه قليلاً ، يبحث عني ، أدار رأسه إلى الخلف. رآني واقفة أمامه ، ارتبك قليلا ، لكنه كان ذكياَ. استطاع إخفاء ارتباكه. قال لا مباليا :
لم أنت واقفة خلفي.
قلت :
كنت أبحث عنك.
ـــ عني ؟!
ـــ نعم. لقد أخبروني انك تبحث عني منذ أكثر من شهر.
كان هذا الحوار القصير هو بداية تعارفنا ، تكلم كثير عن نفسه.
أخبرني أنه متزوج وغير سعيد بزواجه،أكثر أوقاته يقضيها خارج البيت في المراكز الثقافية أو المقاهي هرباً من زوجته ومشاكلها التي لا تنتهي ، وأخبرني ذات مرة أنه معجب بي ، وأن هدوئي يثيره، يتفنن في الكلام معي ومغازلتي ، كنت أنصت إليه في اهتمام , وأحيانا أخرى بشك .رجل يجيد الكلام وامرأة تجيد الإنصات هذا حالنا في أغلب الأحيان ، لكني كنت أعرف متى يكذب الرجل ومتى يقول الحقيقة. يستمتع في الحديث معي وهذا ما لاحظته رغم أنه حاول إخفاء ذلك كثيرا ، كرر مرة أخرى قصيدة القيروان ، قال لي كأنه القيروان قد خصني بقصيدته.
مشكلة بعض الرجال أنهم يعتقدون بالكلمات وحدها قادرون على نصب مصيدة للنساء باسم الحب، كتب لي رسالة وقصيدة ، قال : قصيدة لم أكتب مثلها..ولا أظن أني قادر على أن أكتب مثلها .كان ينتظر مني جواباً ، لكن الجواب لم يأت ، ولا أظنه سوف يحصل على الجواب ، لأني كنت قد رحلت.
هاهو بعد خمس عشرة سنة لم يتغير، مازال يحب التجمعات والقيادة .
لحقني إلى الممر، صاح:
يا سيدة..
انتظرته ، تقدم نحوي، وراح يحدق في وجهي وقال :


لم تتغيري !
قلت :
بلى , لقد أصبحت سيدة .
كان وجهه مرهقاً تعباً. قلت :
مازلت تحب القيادة ، وتجيد الإقناع.
ـــ آه .. لقد تقاعد المدير السابق ، وقد سمعنا أنهم سوف يحضرون لنا مديرة ، امرأة تحكمنا0
قلت :
لا باس ، مار أيك لو نتكلم في مكتب المديرة.
ـــ لماذا ؟!
ـــ ستعرف .
ومشيت ، لم أسمع خطواته خلفي ، كنت سعيدة لأني كنت المتكلمة الأخيرة. [/b][/color]

فضاءات
05-10-2008, 11:23 PM
محاولة استكشاف الرجل من خلال رؤيته بعيون المرأة هي محاولة استطاع النص فيها سبر أغوار أكثر بعدا في هذا الرجل .
الغرور , التعالي , التبجح الثقافي كلها صفات اكاد اتحسس من خلالها الكثير من وجوه أعرفها تماما

ايها الراوي الجميل
لا أملك سوى البهجة بحضورك ومعاودة القراءة كل حين
سعد المكان بك

سببرسس
05-10-2008, 11:35 PM
السرد الجميل البسيط، الأنيق حتى في منعرجاته وعطفاته، واللغة السليمة، والفكرة الألق التي تندس خفية في طيات السطور إلى أن يمهرها الراوي أخيراً، لتكشف وتسبر أغوار هذه الثنائية الأزلية (هي هو).
كل ذلك وأسباب أخرى تخبرني: ان الكوكب العاشر -تحديداً كنا ثلاثة أيتام- يفوز هذا اليوم بالراوي، وهذا يخصنا جميعاً.
وأنه كاتب قصصي محترف -أراهن على هذا- مؤكد.


أياً يكن، وتأصيلاً للنرجسية :b3f41eed02: أنا أسعدكم بهذا الراوي، فأول دخوله شمعة بطوله :soso:




.

No
05-10-2008, 11:39 PM
إذاً أصبحت مديرته ...

قصة جميلة سيدي الراوي ...
يكبر الرجل وما زال قلبه يبحث في وجوه الفتيات وعينيه تتلصص لمعاينة أجسادهن
ويبقى السؤال في أفواهنا عن القيروان وقصيدتها

سببرسس
05-11-2008, 12:10 AM
السرد الجميل البسيط، الأنيق حتى في منعرجاته وعطفاته، واللغة السليمة، والفكرة الألق التي تندس خفية في طيات السطور إلى أن يمهرها الراوي أخيراً، لتكشف وتسبر أغوار هذه الثنائية الأزلية (هي هو).
كل ذلك وأسباب أخرى تخبرني: ان الكوكب العاشر -تحديداً كنا ثلاثة أيتام- يفوز هذا اليوم بالراوي، وهذا يخصنا جميعاً.
وأنه كاتب قصصي محترف -أراهن على هذا- مؤكد.

أياً يكن، وتأصيلاً للنرجسية :b3f41eed02: أنا أسعدكم بهذا الراوي، فأول دخوله شمعة بطوله :soso:


.


إذاً.. بيننا قاص متمرس، كما توقعت :)

آسفة أستاذنا، تنبهت لتوي إلى أنك القاص ياسر عبد الباقي، على هذا الرابط:

http://10planet.net/vb/showthread.php?t=3930



هلا وغلا.. مرحبا بك، نتشرف بوجودك بيننا :soso:






.

ثامر مهدي
05-11-2008, 11:24 AM
رجل يجيد الكلام وامرأة تجيد الإنصات

وكل رجل له قيروانه عندما يرى امرأة جميلة ,,

تحية وود

سهاد
05-11-2008, 03:40 PM
هاهو الآن يقف أمامي ، لم يتغير ، سوى بضع شعرات بيضاء

البعض لا تَصقلُهم الخبرات
ولا يكسبون من مرّ الزمن إلا بعضَ تجاعيد
وشعراتٌ بيضاء ..!!

الكريم / الراوي

لنا السعادة بتواجدك بيننا


تقديري



.

ليلة خميس
05-12-2008, 03:58 AM
.




أميل كثيراً لهذا النوع من القصص ، واستمتع جداً بقرائتها _ عندما تكون على هذا المستوى _
قصيرة بحيث لا ترهقني قرائتها ولا يضيع تركيزي في متاهاتها ، طولها مناسب لاحتواء كل عناصرها الاساسية بتناسق واستيعاب أكثر من حدث مثير وفكرة مبتكره







مرحباً بك سيدي


:soso:


.

بندر الصقر
05-12-2008, 08:16 AM
هكذا يجب أن تكون لغة القصة .. " كي تعجبني " << لا شيء من النرجسية هنا بل هو قصور مني في الغالب .. هذه مشكلتي مع القصة :b3f41eed02: يجب ان تكون جميلة اللغة .. سهلة الوصول

منذ زمن لم أقرأ قصةً .. وقرأت قبل قليل ." الراس " .. وسأقرأ كل ماتكتب أيها الراوي ...

.
.
:soso: