مشاهدة النسخة كاملة : إبحـارٌ بينَ دفَتين ..!!
http://i242.photobucket.com/albums/ff191/Sabrina121_02/59_1201583606.gif
الأعزاء ...
في هذا العصر الذي ازدحم بالمسؤليات ووسائل الترفيه المتنوعة شديدة الجاذبية
أصبح الوقت الذي نستطيع منحه لهوايتنا المفضلة (القراءة) جدّ قليل
ناهيك عن الزيادة المطردة في الكتب المطروحة وتعدد مجالاتها
إلي حد الإصابة بالإنهاك لمجرد قراءة عناوين المطبوعات الحديثة
لذا سيحتوي هذا المتصفح على نقل لقراءات ونقد متخصص
لبعض الكتب والروايات التي ربما لن يسعفنا الوقت لقراءتها
ويكون قراءة عرض ونقد المختصين لها فيه بعض التعويض
عن قراءة العمل ذاته ...
بالتأكيد سيثري المتصفح ويبهجنا إن قام أحد أعضائنا الأعزاء
بكتابة نقده او رؤيته الخاصة لأحد الكتب المعروض قراءتها هنا
/
تحيتي
http://i242.photobucket.com/albums/ff191/Sabrina121_02/59_1201583682.gif
صلاة من أجل العائلة» لرينيه الحايك
http://10planet.net/vb/attachment.php?attachmentid=5255&stc=1&d=1209850807
"هواء آذار يُسقط زهور الياسمين على وجهي. أغمض عيني. أنسى الصور في رأسي. العتمة تشتد. الهواء يؤرجح شجرة الصنوبر" . منذ الأسطر الأولى تكشف الكاتبة رينيه الحايك في عملها الروائي «صلاة من أجل العائلة» عصب أحداث الرواية المتمثل في التوق الى الانفصال عن صورٍ في الرأس، ولكن عبثاً المحاولة فهي لن تفعل سوى جمع خيوطها من هنا وهناك.
إنها أصوات الذاكرة تتدحرج وحدها على الأرصفة، تتسلق الجدران، تنهض في الصباح شجراً في البال، تقيم في المساءات والأحلام التائهة. وفي شريط الذاكرة، صورة عالقة لأحب الناس على قلب الراوية، إنها الأم، التي ستعكس لنا الرواية سيرتها الذاتية على لسان الابنة التي تتلقى خبر وفاة الأم في المأوى فتروح تستعيد أماً لم تكن يوماً طفلة، فقط أرسلتها والدتها الى الخدمة في المنازل غير مبالية بصغر سنها حيث تعرضت للقسوة والقهر. لكنّ الأمر لم يخل من محطات مشرقة عرفتها مع عائلة «اسطمبولي» العائلة الوحيدة التي شعرت في كنفها بالأمان. أجلسوها الى طاولتهم حيث عرفت شيئاً من حنو الأب ساعدها على قهر دموعها. فالسيد يناديها «روزي» أو ابنتي ويصطحبها مع أولاده الى سينما ريفولي... ومن الخادمة الى الزوجة والأم لثلاثة أولاد تعيش راضية أحلى سنوات العمر، لكنّ لعنة القدر تلبسها وجعاً من أوجاع الوطن لن تقوى عليه، فقد خُطف الزوج وهو الحبيب والمعيل. تتصدع الأم ومعها العائلة، تمضي قليلة الكلام كثيرة الشرود، تعود تعمل كطاهية في دير مصطحبة معها الابنة التي تقول: «حتى خلال مساعدتي لها لم تكن تتكلم... أيام تمر، لا أحكي فيها إلا بالمدرسة»
يكبر الأولاد، عبده الابن الأكبر يغادر للعمل في الخليج، خطف والده تركه وفي وجهه حركة عصبية، لم تزل على رغم مرور الأيام. نقولا الأخ الأصغر ظل في لبنان، هو على عاطفة كبيرة، سريع التأثر آلمه كثيراً اضطراره الى إرسال أمه الى المأوى. أما الابنة فتتزوج وتسافر الى كليفلاند والعلاقة الزوجية باردة لا تطاول كيان الزوجة: «لا يفهم إصراري على تحضير كميات قليلة من الطعام» و «يزعل من الثياب القديمة التي ارتديها». أنجبت ولدين على تناقض في الطباع، سالي وهي الفتاة الباردة الشديدة الاستقلالية والقساوة ورودي الشاب الفنان والقريب من أمه. هكذا تتابع الابنة حياتها حاملة معها وجع حلمها القديم لفتاة تركض بقوة، تصعد السلالم بلحظة وتقول: «ماما، رجع أبي».
من أبرز السمات الفنية في الرواية تنوع الأساليب المستخدمة، دائماً مع اعتماد الجمل القصيرة التي تدفق صوراً. يبرز اسلوب الرؤية المحايدة حيث يتكون لدى القارئ انطباع بأن الكاتبة تعرف أكثر مما تعرفه الشخصيات لكنها لا تطرح معرفتها أو تسعى الى تفسير خط الأحداث بواسطتها أو تسوّغ بها أفعال الشخصيات إذ تحرص الكاتبة على أن تصل الشخصيات بذاتها الى ذلك تاركة للقارئ ان يربط بين الوقائع ويستنتج. فبرودة أو عقلانية شخصية سالي ومزاجية أو هامشية شخصية إيفان تأتي دلالاتها على سبيل المثال من أقوال صادرة عنهما وأفعال تكتفي الكاتبة بسردها بذكاء فتشكل نقاط كشف وإضاءة تضيف الى الرواية أبعادها الدلالية بعيداً من اسقاطات شخصية أو جمل اعتراضية..
ويبرز بوضوح أسلوب الرؤية من داخل حيث الاكتفاء بما تسمع الكاتبة «أسمع صوت نرد يتدحرج فوق الخشب. يداً تصفق الخشب. صوتاً يحتج، كرسياً يتدحرج بقوة...» ونتلمس أحياناً أخرى رغبتها في تجاوز ذلك «تمسك طرف الشرشف الأبيض كأنها تهوي الى وادٍ بلا قعر».
وتنجح الكاتبة في إظهار وعي كلّي متكامل، فهي على معرفة بتفاصيل الأحداث الخارجية أكثر من الشخصيات وتعلم ما يدور في وجدانهم وتتقن تمرير رؤيتها هذه في خدمة التصاعد الدرامي. ففي سبيل تبيان تعبها ويأسها الشديدين تمرّر للقارئ معرفتها المسبقة لما سيحصل عندما سيأتي زوجها: «سيتصل بثلاثة من أصدقاء الطفولة، سنجول كالعادة كالسوّاح وسنسهر في المطاعم، ندعو ونُدعى. نتعرّف على الآثار، نتصور في بعلبك والأرز... نشتري التذكارات، نزور جدّيه وعماته وخالاته».
وإضافة الى قدرة الكاتبة على صوغ التجارب الحياتية بأساليب لغوية وفنية بارعة تبرز قدرتها على استخدام الأبعاد النفسية والوجدانية، ومن وسائلها لتحقيق هذه البراعة تصوير أو تجسيد الحالات الوجدانية داخل صور مؤثرة تتراوح بين الرومنطيقي والدرامي فتحمل في رومنطيقيتها المتلقي الى آفاق من المتعة والتأثر الدرامي، فتروح تتخيل تلك الأم حتى تكاد تشتم رائحة يديها المعروقتين وتسمع لهجتها القروية وتتألم لحالها في المأوى، تأكل مخفية فمها بيدها خشية وقوع فئات يغضب الراهبة. وتتعاطف معها لإدراكها خجل ابنتها من البقاء قربها في محيط عائلات أخرى لا تشبهها فتحذر في الإيماء لها.
«صلاة من أجل العائلة» عمل روائي ينهض على الموقف الاستدعائي والاسترجاعي، الذي يختلط برغبة جامحة في الامتزاج بالماضي والحرص على استبقائه والتفاعل معه. وتجيد الكاتبة اللعب على وتر مستويات الماضي الذي تستعيده مضيئاً، متداخلاً لكنه يظل حاضراً في نفسها لوضوح أثره فيها حتى لحظة الكتابة: «صور كثيرة تطلع فجأة. استغرب وضوح تفاصيلها». وهناك نمطان من الاسترجاع: القريب من خلال الحلم، فعشرات الأحلام تتوالى حتى أن الكاتبة لا تطيل البقاء خارجها: «أنهض من الحلم والضوء يطلع»، فهي تمارس الحلم ليلاً ونهاراً، حباً، حزناً وخيبات، الى الاسترجاع البعيد مثل استرجاع مشهد طاولة الطعام: «تنهض عن الطاولة مراراً، كأنها تخشى الأكل... أكاد لا أتذكر طريقتها في الأكل. قلما أراها تفعل. دائماً هناك تعليق عما يحبه أبي من الطعام وما لا يحبه... تنتهي من الطعام ويبقى دائماً حصة كبيرة لأبي الذي سيعود جائعاً»
تمتزج الأحلام بالذكريات فتتحول الحياة اليومية الى ومضات تفصل بينها محطات من الذاكرة حتى لحظة النهاية ومشهد الجنازة حيث تستعيد الكاتبة في طريقها حلمها الصباحي وقد أيقظت أولادها الصغار من نومهم الجميل وتذكرهم بأنهم سيذهبون جميعاً الى النهر. لعله ذلك النهر الذي اخترق يوماً تلك العائلة الوادعة يخترق اليوم حلم الابنة التي تألمت كثيراً على عائلتها وقليلاً على حالها فجاءت «صلاة من أجل العائلة»
*
*
ليليان يمين البدوي / جريدة الحياة
*
*
رينيه الحايك: رحلة في ذاكرة الأنوثة المعذبة
لن تكون «صلاة من أجل العائلة» (المركز الثقافي العربي) الرواية المفضلة لقارئ يبحث عن تسلسل الأحداث وتطوّر الشخصيات. إنّها عمل قائم على حدث لا يمكن أن يتطور، فهو نهاية بحدّ ذاته: موت روز والدة الراوية. من خلال الفقدان، تتيح الروائية رينيه الحايك لبطلتها قراءة ماضيها على نحو مختلف، ليجيء العمل متعلّقاً بحركة ذهنيّة داخلية عميقة وبطيئة. إذ لا تُسقط الحايك من اعتبارها البعد النفسي في سرد التفاصيل التي أسّست لعلاقة الراوية بوالدتها، في غياب الأب الذي خُطف في الحرب وتجهل العائلة مصيره.
تقوم الرواية على علاقة الأم ـــ الابنة. وقد انحصرت الأعمال التي تركّزت على هذه الثيمة، بضرورة غياب الأم أو فقدانها لكونه حدثاً رئيسياً. حتى ينسحب هذا الغياب على وجود الأم/ الذات، فيما يطغى حضور الأم/ الموضوع، ومن وجهة نظر الابنة دائماً. بيد أنّ الحايك تخرج قليلاً عن هذه النمطية، فتلعب دور الابنة/ الأم في الوقت عينه، فالأم هي نفسها، لكنّها ستوجد الآن في سياق حضاري مختلف، إذ تهاجر الراوية وزوجها أنطوان للعيش في «كليفلاند»، حيث تستكشف حقيقتها وتقاطعاتها مع أمور لطالما كانت ترفضها في أمها. لكنها أيضاً، ترسم صورةً مختلفةً لتوقّعات المرأة/ الأم من نفسها، ورؤيتها إلى دورها، فتبدأ الدراسة في عمر متأخر، وتخلق لنفسها حياةً خاصةً وسريةً تستغرق فيها بالتأمل، وممارسة الرياضة، والقراءة، والوقوع في الحب، وتكوين صداقات خاصة، ثم العمل... أي إنها تُخرج الأم من المكان المنزلي إلى العالم الأوسع.
وإذ تعود الراوية إلى بيروت لتعيش مع أمها روز أيامها الأخيرة، تحاول رؤيتها من أكثر من زاوية. كأنها تريد أن تبرز الأم/ الذات، علاقتها بزوجها المفقود، وتجربتها مع الفقر والعمل خادمة، ونظرتها لدورها وصورتها وهي امرأة تقليدية. فروز ترفض مثلاً تمرّد شقيقتها التي تركت زوجها وابنتها وهربت مع رجل ثري إلى دمشق. ولا يشفع لهذه الأخيرة ماضيها المؤلم المشترك بين الشقيقتين.
نحن أمام سلسلة من النساء المهيضات اللواتي نكّلن بأنفسهن كلٌّ على طريقتها. في روايتها التاسعة ، تقدّم صاحبة «بورتريه للنسيان» و«شتاء مهجور»، كتابة نسوية بحق. وفي الوقت عينه، تستظهر العيوب التي باتت لصيقة بتصوّر المرأة عن نفسها.
*
*
نوال العلي / جريدة الأخبار
عدد الجمعة ١٨ نيسان ٢٠٠٨
*
*
"صلاة من أجل العائلة" لرينيه الحايك..جدارية هائلة عن الأمومة
ما كان في إمكان رينيه الحايك أن تختار عنواناً أكثر دقة وأشدّ دلالة من عنوان "صلاة من أجل العائلة" لروايتها الصادرة أخيراً لدى "المركز الثقافي العربي". الا ان صلاتها هنا، ليست عبارة عن ثرثرة لفظية عمياء، بل أقرب الى صمتٍ تأمليّ لا يشوّش عليه وابل الوصف التسجيلي الذي يحيط به. بالعكس، يأتي هذا الوصف ليكون استغراقاً ممعناً في موضوع عبر المحاولات المتكرِّرة لتلافيه. بدقة كيميائي وتأنّيه، لكن باستغراقه وورعه خصوصاً، تقترب الكاتبة من نصها، فلا تخطئ لحظة في تحديد النسب اللازمة من العناصر التي تكفل لها مزيجاً يشبه في هدوئه الكاذب المواد القابلة للاشتعال: خلف المظهر الرائق تأهّبٌ دائم للانفجار. هكذا نعثر على نصٍّ متقن لا يعرف شططاً، لغوياً أكان أم اسلوبياً أم على صعيد الخطاب العام، يقول الحزن والفقد والوحدة بنبلٍ وكِبَر يغيب عنهما ايّ تعالٍ استعراضيّ، ليكشفا عن نضج شعوريّ وتصالح مع الألم عبر مواجهة تخلو من ايّ نزعة مازوشية.
ترسم الكاتبة على طول روايتها بورتريهاً لأمّ ولعائلة. لأمّ خصوصاً. في جمل قصيرة، وعين لاقطة لا يفوتها تفصيل، تسجّل الراوية كل ما يحيط بها، واضعةً في المستوى نفسه التفصيل العابر والحادث الجلل في نبرة تخفي خلف حيادها الظاهر كل الحزن البشري الممكن. من اللحظة التي يصل فيها خبر وفاة والدتها، تصير الحياة بالنسبة الى هذه المرأة عبارة عن تداعيات صورية ولفظية يختلط فيها الواقع بالحلم، الحاضر بالماضي، والذكريات بالاحاسيس. تداعيات تكفّ عن كونها حالة عرضية لتضحي الثابت الوحيد في حياة متنازَعة بين بيروت وكليفلاند، بين الطفلة التي كانتها الراوية والمرأة التي صارتها، بينما ستظل ابداً إبنة لأمّ من تلك الامهات اللواتي مهما نحن نهرب منهنّ لا نهرب بعيداً بما يكفي، وكلما أنكرناهنّ ازددنا شبهاً بهنّ، وفقط عندما نفقدهنّ ننتبه اننا نسخة عنهنّ.
في كل سطر وكل صفحة، تُثبت رينيه الحايك انها لا تحتاج الى الكثير لتكتب نصاً حقيقياَ، يكفي فقط ان تُحسن الاصغاء الى الداخل والخارج على السواء. الا ان ما تقوله الكاتبة "كثير" حقاً، كثير بأصالته وحقيقيته وبالكمّ الهائل من المشاعر الانسانية التي ينطوي عليها، لكن ايضاً بالذكاء الاسلوبي الذي يقدّم نفسه من خلاله. لا مكان هنا لأيّ ارغام او افتعال. وحدها تلقائية كبيرة في الكتابة التي تعرف كيف تصوّب بدقة هائلة وتصيب. تصيب قلب الموت والامومة واليتم والطفولة والتصالح مع الماضي. وهي تيمات تتضافر كلها لتروي كيفية تشكّل الذات والشروط التي تحكم علاقتها بما حولها، ومن، ومدى غربتها عن ذاتها وعن الآخر الى جانبها. هكذا سنتابع هذه المرأة، التي لن تقدر المسافة او السنون ان تمحو من ذاكرتها حركة اصابع الام في لفّ ورق العنب او نقر الكبّة، بينما ملامح زوجها الذي تعيش معه تحت سقف واحد وسلوكياته الصغيرة تتشوّش كل يوم اكثر وتتموّه.
بعد سنوات طويلة في الغربة، وبعدما كبر ولداها وذهب كل منهما في طريقه، وبينما تعظم الهوة بينها وبين زوجها بحيث بات من المستحيل ردمها، تعود هذه المرأة الى بيروت لتواجه ماضيها وطفولتها اللذين لطالما هربت منهما. "ابنة المخطوف" التي عاشت طفولتها على وقع انتظار عبثيّ لوالد لن يحضر الا في حصة الطعام التي تبقيها له الوالدة كل مرة لأنها تفترض انه سيعود جائعاً، هذه الابنة تعود لتواجه ذاكرتها وعلاقتها بوالدتها. نتابعها اذاً في سيرها بين الذكريات بنصف حضور ونصف غياب، كأنها هنا من دون ان تكون هنا، قريبة وبعيدة، صعبة وفي المتناوَل. هذه المسافة التي تتخذها من الواقع، قد تبدو للوهلة الاولى نوعاً من التلقّي السلبي للحوادث والمشاعر والذكريات، لكن سريعاً سنكتشف اننا ازاء نوع من التورّط الصعب المحكوم بالشوق اولاً. الشوق الى "أبي فرنسيس" الذي لا تنفكّ تكرر اسمه كما لو لتُثبت انه وُجد حقاً ذات يوم وانه ليس مجرّد اختراع مخيّلة أدمنت ابتكار الاحلام بديلاً من ذكريات غير موثوق بها. والشوق ايضاً الى أمّ لا تزال تذكر حرجها منها بينما تكبر، وخجلها "من عملها، من يديها المعروقتين. من لهجتها القروية التي لم تتبدّل. من ثيابها. من كلامها عن أبي كأنه عائد اوّل المساء".
هكذا تتتالى الصور والذكريات في ما يشبه الغزو الذي لا يُرَدّ، والذي يأتي كما لو ليواجه واقع المدينة المتبدّل ابداً. تعود المشاهد المعششة في الخيال والذاكرة نابضةً وحارة اكثر من ايّ وقت مضى. بقوة واصرار تحضر، ملقيةً بظلالها على الحاضر فتهمّشه وتجعله مجرّد خلفية ساكنة لها. نصير حيال واقعٍ من ثلاثة مستويات: الاوّل يطلّ على الحاضر ويتفاعل معه كما يتفاعل المسرنم مع ما حوله، والثاني استعاديّ يأخذ شكل قصص طالعة من الماضيين القريب والبعيد على السواء يحتلّ فيها وجه الام والعلاقة بها الحيّز الاكبر، اما الثالث فمحلومٌ يترك للاحلام ان تكشف عن التعب والحزن والحنين والشوق وكل ما يعتمل في النفس من مخاوف وهواجس لم يعد ينفع شيء لطمأنتها.
في "صلاة من اجل العائلة" تقدّم رينيه الحايك نصاً من اجمل النصوص التي قرأتُها اخيراً، ينجح من خلال تفاصيل بسيطة في بناء جدارية هائلة عن الأمومة، وفي رصد جوهر العلاقة الصراعية بين أمّ وابنتها بما يشوبها من رفض ونكران وحب وتماهٍ، تنتهي بإدراك عميق بأن ثمة أمّهات مهما نقتلهن لن نتخلّص يوماً من "لعنة" الشبه بهنّ.
*
*
سيلفانا خوري / النهار
*
*
سرد سريري منغلق على الألم
لرينيه الحايك «بورتريه للنسيان» و«شتاء مهجور» و«بيوت المساء» و«العابر» و«بلاد الثلوج» و«بيروت» و«أيام باريس» وجديدها الصادر حديثاً «صلاة من أجل العائلة» وكلها مؤلفات روائيــة عن «المركــز الثقافي العربي» ما عدا «بيوت المساء» صادر عن «دار الجمل».
نتاج وافر نسبياً على ما نحصي، دأبت به الكاتبة على خلق الشخصيات بكفاءة ودقة مستلهمة الواقع في رواية، ومبتكرة ما هرة له في رواية اخرى، حين تجابه بمحدودية الاشياء. رينيه في الحالين، سواء كتبت في شخصيات حياتها، او في ما تبتكره منها، إنما تستمد كتابتها من خزينها الابداعي الشخصي، ومن خلاصة ذاتها المائلة الى التأمل، ووعيها في شخصياتها.
في «صلاة من أجل العائلة» نقرأ الكاتبة في مكوثها اطول وقت ممكن، متريثة في رسم صورة داخلية وخارجية لشخصية الأم في الرواية، ضمن حالة محورية، دهليزية اذا صح التعبير، حيث كثافة الملاحظة معطاة للسرد، وحيث نظام من الاشارات تعمل برهافة وذكاء وجهد في السطور، للاضاءة على العلاقة بين أم وابنتها لم تتخلــلها لحظة اكتفاء او اشباع عاطفي من قبل الابــنة، ومسترجعة على هيئة ذكريات متصلة ومتقطعة، واحلام يقظة ونوم بالماضي البســيط الذي جمعهما، ودائما في ضمير الأنا الحاضر للكاتبة في الرواية.
في محاولة الكاتبة درء تهمة السيرة الذاتية عن روايتها، نرى ان الابنة التي كبرت بسرعة، طويلة ممشوقة وتفوق زميلات صفها في المدرسة طولاً وقامة، فيما رينيه صديقتنا التي نعرف، بعيدة عن هذا الوصف، وهزيلة، كما لو ان السرد هنا، يحتاج الى اشارات تزيّف الالتباس الذي قد ينشأ، ليمكن للرواية ان تستقيم وتنهض، بعيداً عن ماضي الكاتبة الشخصي.
لغة رينيه خاصة باشاراتها واستيحاءاتها، متمهلة امام الوجوه والطبيعة والاشياء، وفيها نوع من العبودية لرواية التفاصيل، وتفاصيل التفاصيل هنا وهناك، وفي هذه الشخصية وتلك، كما لو تسحب التفاصيل هذه، الكتابة نحو استلابها الخاص، فتغدو في مواضع، مناجاة طويلة غير دالة الى تأزم بعينه، بل الالتباس الذي يحيق بكل شيء، والكثافة الوجودية التي تحتاج الى قارئ صبور، يعرف غاية فصول الرواية المسطحة، والثقل الحزين الذي لا يتموضع مع أمر بعينه، بل يترك لكل الدلالات التي تسردها رينيه، ان تظل من غير تحقق.
علاقة متوترة
رواية عائلة من أم وأبناء، تعرض الأب فيها لعملية اختطاف من قبل جهة من الجهات الحزبية في الحرب الاهلية اللبنانية، ليرخي هذا الاختطاف الحاصل قبل زمان الرواية، بظله المهلك على الأم خاصة، وينسحب شللاً شعورياً على باقي أفراد العائلة، محدثاً خللاً فادحاً في العلاقة ما بينهم، بينما الأم ماضية الى تقصي مصير زوجها، رافضة الاعتراف ضمنا بغيابه النهائي، مستعيدة حضوره الذي كان، شأن النساء المرهونة اعمارهن لرجل حياتهن الوحيد، في حضوره وفي غيابه.
علاقة متوترة نتيجة هذا الاختطاف الغياب، لجهة الابنة بوالدتها، تسترجعها الكاتبة بعد وفاة الأم وحيدة في مصح للمسنات، على شكل منامات، كوابيس بالاحرى، كما لو تسترجع طيفاً وروحاً عاشت في الحطام وماتت فيه. في استرجاع ماضي العلاقة، ثمة عنف باد وقسوة في السرد، ملطخين بعنف الفقر وفقدان الأب/ الملاذ، وثمة الاذى الذي وقع على الكاتبة نتيجة «اختلاف» أمها عن باقي الأمهات، الفقر، القهر الذي لحقها هي «ابنة المخطوف» كما يتهامس الناس عنها، الاذى الؤي يتطهر على هيئة الخجل من أمها تحديداً، من بساطتها وبؤسها وعذابها.
الكتابة في علاقة الابنة بأمها، تنطوي في آن، على استلاب الابنة حيال غرابة وفجيعة أمها، وعلى الحلم بمثال هذه الأم بما هي نقاء خالص، حتى لنقبض على اشارات في راهن الابنة، وقد غدت بدورها أماً، انها لا تنفك مع الزمن، تشبه ما كانته أمها يوماً، في ملامح ومواضع وسلوكيات كثيرة.
ثمة مسلمة مزدوجة في كتابة رينيه الحايك هنا: حركة قطيعة مع الأم، وحركة حلول في ما كانته تلك الأم، بل اننا نجد ايضا، رسماً بيانياً اذا صح التعبير، يبدأ من التباس اساسي في ما تريد الكاتبة تحطيمه في صورة أمها، وما تريد امتلاكه والتماهي معه في تلك الصورة او الأم.
السرد في «صلاة من أجل العائلة» يسير سيرته المتمهلة على ما ذكرنا، الرائق شكلياً والمتوتر داخليا، وقد استغرق او وقع في فخ التفاصيل، حتى لتبدو أقدار عائلة برمتها، متفرقة في لبنان وفي اميركا وبلاد الخليج، وقفا على التفاصيل هذه، من دون ارتفاع وتيرة السرد، الى نقطة اشتباك روائي، بين بداية الرواية ونهايتها، او نقطة ذروة في الحبكة الروائية، كما لو ان سرداً قانعا بسرده، لا يطالب لنفسه بأية مفاجأة او طارئ على استغراقه في امور ثانوية، في رغبته الى رفعها الى مصاف الامور الاساسية، في حركة تعويضية عن فقدان كبير.
عزلة امرأة
«احيانا اعجز عن النوم. اتسلل الى الخارج. اجلس عند العتبة، انظر الى الحباحب، الى النقاط المضيئة فوق ظهرها كأنني انظر الى سماء لا الى مرجة مرصعة بآلاف النجوم. لا صوت سوى صرصار الليل والضفادع. اضع قربي قنينة ماء، ثم اشرب الماء منتظرة طلوع الفجر وبدء الجري. اشياء كثيرة اعتاد على مر السنين ان اقوم بها وحدي. صحيح ان معظم الحدائق عرفته برفقة سالي ورودي، لكن هناك مناطق كثيرة استكشفتها وحدي. بعد ان غادرت سالي البيت وكبر رودي، تعرفت حقا على كليفلاند. كم مرة مررت قرب الكنيسة ولم انتبه الى انها للموارنة. هنا في كليفلاند! حتى المستنقع القديم القريب من بيتنا الاول، جريت حوله. كانت تمطر. الوقت باكر. الشجرة اليابسة نفسها تتوسطه فوقها حط غراب، ينعق عاليا. البط فيه متكاسل، حتى المطر لا يدفعه للحركة. كأنه عائم وهو نائم. وقت طويل انقضى لم أمر فيه قربه وقرب البناية القديمة. وهي بعيدة عن بيتنا في الضاحية. كل شيء بدا صامتاً. أصوات مخنوقة من النوافذ. حنفيات تجري منها المياه، هدير ماكينة القهوة او العصير، صوت زبدة تبقبق فوق النار. صحون توضع في المجلى. رائحة خبز البيغل تفوح. تختلط رائحة التراب برائحة سكر وحليب وخبز».
إزاء اطياف من حياة لبنانية حزينة، ثمة تواصل للحزن في اطياف من حياة الكاتبة الاميركية. تتكرر المشاهد، كما لو كل مشهد او فصل كتب وحده، وان بالفكرة نفسها للكاتبة في تقديمها الصور في توصيفات متكررة، نابعة من حاجة تعبيرية، هذيانية صامتة، عصابية في وحدتها وفي ضجرها، منصرفة الى اعمال «البستنة» كجزء من الهروب الى الطبيعة الرحبة، واحتماء بكائناتها الخضراء الرقيقة: النعناع، الصعتر، الحبق، شتلات الياسمين وسوى ذلك، الاحتماء بالرائحة والرقة مما لحق بعالم الرواية من خلل اساسي «اختطاف الأب» في معادله غير العادل، وغير المتحقق.
كتابة «صلاة من أجل العائلة» هي ابتكار اشراقات من داخل وقلب الحزن، لكن دونما أمل او متعة، ودونما شعور بوجوب ديمومة الكتابة، انما هو الجمال المحتوم للسرد في ابتعاده عن التكلف، تكلف الكتابة عن الحرب اللبنانية التي صدعت بلداً بأكمله، مكتفياً ـ اي السرد ـ بوصف عالم مائي: البحر، وعالم مقفل على أسراره، البيوت والنوافذ والشرفات المغلقة، وعالم البراءة: الحيوانات والنباتات، ثم ما عكسته الحرب على الكاتبة، ايثارها العزلة وصداعها ووجع ظهرها وأطرافها ومعدتها. عالم امرأة انسحبت من العالم الى عالمها وحدها.
سرد رينيه في جديدها، يعيش حياته وفق نظرة سريرية مغلقة ومريضة في جذعها الاساس، من دون ان يكلف نفسه ابتداع ذروة روائية من اي نوع، فهو الذروة. الكتّاب يكتبون الحقائق، حتى حين لا يعتقدونها كذلك، وفي «صلاة من أجل العــائلة» ثمة حقيقة الألم، الذي يتخلله فرح الحــياة بالاشياء الهامشية. الفرح في سرد رينيه هو براعة الألم نفسه.
*
*
عناية جابر / السفير
*
*
عفاف خلف تحكي الواقع الفلسطيني بـ"لغة الماء"
http://10planet.net/vb/attachment.php?attachmentid=5256&stc=1&d=1209904008
وظفت الأديبة الفلسطينية عفاف خلف في تجربتها الروائية " لغة الماء"، الصادرة عن منشورات مركز أوغاريت للترجمة والنشر 2007، لغتها الشعرية الدافئة، لتخرج برواية ما بين سياسية اجتماعية من الواقع الفلسطيني، تتناول فيها قصة "محمد العربي" أحد المقاومين الفلسطينيين في مدينة نابلس، إبان الانتفاضة الفلسطينية الأخيرة، وحبيبته "فاطمة"، مازجة الظرف السياسي، والحضور المكثف للمعاناة اليومية، بقصص الحب، التي تنمو وسط الدمار والحصار، لتتغلب على حالة الانكسار، ويكبر فيها الشعور الإنساني، لتقدمَ صورة لمن لم يعش الحدث، بأن الفلسطيني رغم الموت والدمار، يبقى قادراً على الحب والعطاء.
ورغم أن هذه التجربة الروائية الأولى للأديبة، والتي جاءت في 171 صفحة من القطع المتوسط، إلا أنها جاءت بلغة رصينة ومتقنة، وظفت خلالها شخوص الواقع المحيط، مستخدمة لغة شعرية في سرد أحداثها، إلى جانب أن خط الرواية يأتي عبر صوتان؛ صوت البطل والبطلة، وهما يرويان تفاصيل الحدث، لتضيف إلى المكتبة الفلسطينية واحدة من روايات الأدب الواقعي، بأسلوب ولغة جديدان، بالإضافة إلى استخدامها للهوامش، التي تم توظيفها لتناول تفاصيل الذاكرة التاريخية، ومنها الإشارة إلى المكان، مثل أسماء حارات مدينة نابلس ومناطقها، وأسماء شخوص من الواقع، علاوةً على تواريخ الحدث باليوم والشهر وغيرها.
ولم تكن عفاف خلف رومانسية في استعراض الواقع، بل كانت أكثر قسوة على واقعها من حدثه، فقد جسدت الحالة الفلسطينية والعربية ببطلة روايتها "فاطمة"، الفتاة المقعدة لتشير بذلك إلى الدور العربي والفلسطيني الرسمي المبتور والعاجز تجاه القضية، حيث تقول فاطمة في نهاية الرواية: "ماتت شجرة الياسمين، أحرقها القصف فلفظت آخر أنفاس الزهر رماداً أبيض، حمدت الله، خفت أن تتسرب إليها حمرة الشوارع، فينز من أغصانها الدم بدل البياض، وكأنما إجلالاً لسطوة الموت، ارتدت السواد. ذكرتني به، بموتنا الأبيض".
وهو ما تعني به الموت دون ثمن، عبر ممارسة حالة من النضال العبثي في المرحلة الأخيرة من الانتفاضة، في حين جسد "محمد العربي" لديها حالة التناقض والاختلاف بذات الوقت في الموقف الشعبي والرسمي، وجاءت لغة الرفض مباشرة وواضحة للحلول المرحلية على لسانه في أكثر من موضع في الرواية.
تقول عفاف عن روايتها: "هذه الرواية تحكي عن جانب تاريخي عاشه شعبي الفلسطيني أثناء الاجتياح الصهيوني لمدينة نابلس في نيسان 2003، حيث جاء اجتياح المدينة كمكمل لعملية السور الواقي، التي طالت الضفة الغربية وقطاع غزة، والعمل هو توثيق لهذه المرحلة، حاولت فيه مزج الواقع بأحداثه، عبر الخيال الذي وظفت فيه شخوصي، للفت انتباه القارئ من أجل الاطلاع على هذه الكارثة، التي لم تأخذ حقها في الإعلام، ولتكون جزءاً من التاريخ الذي ستقرأه الأجيال القادمة". وتضيف خلف حول لغة الرواية: "لغة الرواية اتسمت بالطابع الشعري، ولكن ليس على حساب الحدث، فقد حاولت الاستفادة من لغتي الشعرية في هذا العمل، الذي طال انتظاره بالنسبة لي، وقد كان ثمرةً للعمل الجاد الدؤوب، لذا كان تتويجاً لمرحلة كاملة، عبرناها جميعاً، ربما عبرتنا الكثير من الخيبات، ولكن الكلمة الفصل تبقى ملكاً لمستقبلٍ لا نملك إلا أن نحلم بمن يأتي ليصنعه. باختصار أقول ما قاله قاسم حداد: لا تثقوا بحياد الماء.".
الجدير بالذكر أن الروائية قد أصدرت قبل "لغة الماء"، كتاب نصوص نثرية مشتركة مع الشاعر الفلسطيني مازن دويكات بعنوان "حرائق البلبل على عتبات الوردة".
*
*
مهند صلاحات / ديوان العرب
*
*
سببرسس
05-09-2008, 02:22 PM
يا الله، يا الله ما أكثرك وأكبرك سهاد.. بورك جهدكِ القيّم.
لو كان لدي مشروع ثقافي، أياً يكن، لتمنيت عليك أن تكوني رئيسة مجلس إدارته :heartbeat:
قرأت فقط المشاركة الخاصة بـ "لغة الماء" راااائعة بحق :soso:
.
يا الله، يا الله ما أكثرك وأكبرك سهاد.. بورك جهدكِ القيّم.
لو كان لدي مشروع ثقافي، أياً يكن، لتمنيت عليك أن تكوني رئيسة مجلس إدارته :heartbeat:
قرأت فقط المشاركة الخاصة بـ "لغة الماء" راااائعة بحق :soso:
.
وما أرقاكِ وما أجملك غاليتي
:party0002::party0002::party0002:
تحق لي السعادة حين يأتيني الثناء مِن مَن هي
في قامة روعة الثقافية
بوركَ قلبك عزيزتي
وجعلني الله أهلا لحسن ظنك
كل التقدير :054:
.
فودكا
05-04-2009, 05:17 PM
..
صدر في غضون شهر ( أغسطس ) 2008 من سلسلة عالم المعرفة ، الكويت العدد ( 353 ) كتابا بعنوان جنوسة الدماغ للكاتبة ميليسا هاينز الأستاذة في جامعة سيتي في لندن . وقد لقي هذا الكتاب احتفاء كبيرا عند نشره في الغرب ، إذ تتمتع الدكتورة هاينز بخبرة عميقة في علم الوراثة والمحددات البيولوجية والاجتماعية للفروق الجنسية .
يعرض هذا الكتاب الحقائق المعروفة في مقابل الأفكار السائدة في مجالات رئيسية من النظرية الطبية والبحوث العلمية والافكار الاجتماعية . وتجمع الكاتبة بمهارة بين حقول متباعدة ، وفي كثير من الأحيان منفصلة مثل النظريات الوراثية حول التركيب الجيني ، والصلات بين الصفات الظاهرة للفروق الجنسية ، ودور الهرمونات في التطور الجنسي وغيرها من الصفات الثانوية ، ثم تعرض الفروق الجنسية في الإنسان ودور الهرمونات الجنسية في الجنس واللعب والسلوك العدائي في الانسان . أما الفصول الأخيرة من الكتاب ، فتعيد تقييم الجنس في الدماغ البشري . وعند قراءة الكتاب يتوصل المرء إلى الرأي المعاصر السائد في الأوساط العلمية من أن هذه الفروق هي في الواقع غير ذات معنى . ويتميز الكتاب بأنه مكتوب بلغة واضحة وعالية الدقة وبأسلوب يلائم كلاّ من الباحث المختص والقارئ العام .
الفروق الجنسية في سلوك الإنسان :
تبدأ الكاتبة قولها : من الذي لايه تم بالفروق بين الجنسين أو كيفية نشوئهما ؟ ربما لا يهتم أحد . في مطلع القرن العشرين ، كان ما يزيد على 90 %من عتاة المجرمين في الولايات المتحدة من الرجال ، وفي الفترة من 1951 - 1999 ، ظلت نسبة القتلة من الذكور إلى القاتلات من النساء ثابتة عند 1:10 ، ومن جهة أخرى كان أكثر من 90 % من أساتذة الجامعات في الكيماء والفيزياء والرياضيات خلال الفترة نفسها من الرجال . وهنا بدوري كقارئة عربية أتساءل هل تهميش المرأة فقط في البلاد العربية ؟ وهل االمرأة الغربية أفضل وضعا وأحسن حالا من نظيراتها في الدول العربية ؟ وهنا تجيبنا المؤلفة بقولها أن أكثر مراكز القوى السياسية في الولايات المتحدة يتقلدها الرجال ، ولم تشغل امرأة منصب رئيس البلاد أو حتى نائب رئيس البلاد ( وكان آخر طموح توصلت إليه المرأة الامريكية هو توصلها إلى مستوى الترشح للرئاسة في نموذج هيلاري كلينتون ) . وهذا ليس فقط في المناصب العليا أو بعض الفروع العلمية بل في جميع التخصصات ، فقط 8،5% من الأساتذة هن من الأناث .استنتج العلماء الدارسون للعمليات التي تحدد الذكورة والأنوثة أن العوامل البيولوجية ، خصوصا الهرمونين الجنسييين ، الأندروجين والاستروجين ، لها تأثير كبير في تطور أجزاء الدماغ التي تظهر فروقا جنسية ، وكذلك في السلوك الذي يظهر فروقا جنسية . وقد اقترح البعض أن هذه المؤثرات الهرمونية أو البيولوجية تجيب عن الاسئلة مثل ( لماذا لا يقوم الرجال بكي الثياب ؟! ) .
ماحجم الفروق الجنسية السيكولوجية ؟
أكبر الفروق الجنسية السيكولوجية في البشر هي تلك التي تحدث في هوية الجنوسة المركزية ( شعور الفرد بنفسه كذكر أو أنثى والذي يعرف أحيانا بهوية الجنوسة ) والميول الجنسية ( الانجذاب الجسدي والاهتمام بالشريك التزاوجي من الجنس الاخر ) أما عن هوية الجنوسة المركزية ، فإن " دليل التحليل والإحصاء لجمعية الإطباء النفسيين الامريكية " ( .. ) أن 1 من كل 30 ألف رجل و1 من كل 100 ألف امرأة يسعيان الى التدخل الجراحي لتبديل الجنس .
آلية التمايز الجنسي : هل هو بنت .. أم ولد ؟
يؤدي تمايز الغدد الجنسية إلى خصيتين ، في مقابل مبيضين ، إلى بيئة هرمونية مختلفة جدا خلال النمو ، إذ تتعرض الأجنة من الجنسين لكل من الأندروجينات والاستروجينات من غددهم الجنسية ، بالإضافة إلى تلك المنتجة من مصادر أخرى مثل الغدة الكظرية ، والمشيمة ونظام الأم . لكن هناك فروقا ضخمة في كمية الهرمونات المتباينة التي تنتجها الخصيتان مقارنة بالمبيضان ، وهذه الفروق توجه أغلب الأحداث التالية في التمايز الجنسي .
ما الذي يسبب متلازمات الخنثى ؟
في أكثر الحالات ، ينتج الإبهام الشديد في الأعضاء التناسلية الخارجية عن الخلل في الهرمونات ما قبل الولادة . بعض المتلازمات تحدث نتيجة خلل في إنتاج الهرمونات ، في حين أن أخرى تحدث بسبب خلل في إنتاج الإنزيمات الضرورية لإنتاج مستقبلات التستستيرون ( الهرمون الذكري ) ، وثالثة تحدث بسبب وجود قصور في المستقبلات التي تسمح للخلايا بالاستجابة للهرمونات .
الجنس ودماغ الحيوان :
إن وجود فروق جنسية في السلوك يشير ضمنيا إلى وجود فروق جنسية في الدماغ ، لأن الدماغ يوفر الأساس الذي يقوم عليه السلوك . كذلك فإن تأثير الهرمونات على السلوك يقترح أن الهرمونات الجنسية تؤثر في الدماغ . وتضيف هانز أن الفروق بين الدماغ البشري ودماغ بقية الثدييات هي أكبر بكثير من الفروق في الأعضاء التناسلية . على سبيل المثال فإن القشرة الدماغية - خصوصا قشرة التداعي association cortex المسؤولة عن العمليات الذهنية العليا - تشكل جزءا أكبر من دماغ الإنسان من ذلك الذي هو في الجرذان . ( ورغم ماتذهب إليه المؤلفة فإن المدارس السيكولوجية الشائعة خصوصا المدرسة السلوكية تذهب إلى التشابه المطلق بين سلوك الإنسان والحيوان ، والتي بدأت بتجربة بافلوف وتواترت بالتطبيقات على القردة والنسناس منه ، والتي أثارت جدلا علميا واسعا فيما بعد ) .
الهرمونات الجنسية والسلوك الجنسي في الإنسان :
إن هوية الجنوسة المركزية والميول الجنسية ترتبط بالبيئة الهرمونية المبكرة ( تأثيرات الهرمونات التنظيمية ) في حين أن الليبدو أو قوة الرغبة الجنسية ترتبط أكثر بالبيئة الهرمونية عند البلوغ ، هذا يتوافق مع الادلة على أن الميول الجنسية وهوية الجنوسة المركزية ترتبط بالاختلال الهرموني في مرحلة شهر ما قبل الولادة والمراحل المبكرة لما بعد الولادة . ومن الواضح أن الليبدو ينشط بالهرمونات الموجودة بعد البلوغ ، خصوصا الأندروجين ( هرمون الذكورة الذي يقوم بإفرازه التستسيرون وفائدة هذا الهرمون أنه ينمي الصفات الجنسية المميزة للذكر ) في حين لا توجد أدلة تشير إلى أن المستويات المرتفعة من الأندروجين قبل الولادة تعزز الليبدو . والجزء الأخير من الهوية الجنسية هو سلوك دور الجنوسة ، يتألف من سمات مثل تفضيلات اللعب في الطفولة ، سمات الشخصية ، بما في ذلك العدوانية والسيادة والتربية وحتى أنماط الإدراك .
الجنس واللعب :
إن سلوك اللعب ليس هو ذا أهمية في حد ذاته فقط ، بل أيضا لأنه يقدم فرصة للتطور الجسدي والاجتماعي ولتنمية القدرات الإدراكية . واستطيع القول أن اللعب بالنسبة للطفل هو الجسر الذي يعبر من خلاله إلى الحياة بأكملها بل هو الحياة نفسها لديه ، لأنه يلعب وهو يأكل ويلعب وهو يعمل واجباته ويلعب عندما يستيقظ ويلعب وهو ينام والحياة كلها لديه ألعوبة صغيرة ويا ليتنا نعود أطفال ..
تظهر الفروق الجنسية في السلوك مبكرا في الحياة . فمع حلول الشهر الثاني عشر من العمر يتضح تفضيل الاولاد والبنات لألعاب مختلفة وتستمر الفروق الجنسية عبر مرحلة الطفولة عموما ، يميل الأولاد الى اختيار ألعاب مثل السيارات ، الشاحنات ، المسدسات ، في حين تفضل الفتيات ألعابا مثل الدمى وأطقم الشاي . ويمضي الأولاد وقتا أطول من الفتيات في اللعب النشط ، بما في ذلك اللعب العنيف . ويختلف الأولاد والبنات في اختيار شريك اللعب ، فإن نحو 80 - 90 % من رفاق اللعب هم أطفال من نفس جنسهم .
هناك أدلة على أن كلا من آليات التعلم والإدراك تؤدي دورا في تطور الفروق الجنسية في اللعب عند الأطفال عموما . فالآباء يعززون الأولاد والفتيات بطرق مختلفة للعب بالألعاب الذكورية مقارنة بالألعاب الأنثوية ، مشجعين اللعب جنسي النمط ومثبطين اللعب بألعاب الجنس الاخر . ففي دراسة رصدت الوالدين مع أطفالهم من عمر عشرين إلى أربعة وعشرين شهرا في عدد من الأوقات في منازلهم ، كان الأولاد يشجعون على اللعب بالألعاب " الذكورية " مثل المكعبات ويثبطون من اللعب بالألعاب " الأنوثية " مثل الدمى . أما البنات فيشجعن على اللعب بالألعاب " الأنوثية ، وإن لم يثبطن بفاعلية من اللعب بالألعاب" الذكورية " وقد لوحظت هذه النتائج على الرغم من قول الوالدين في المقابلة أنهم لا يعاملون الأطفال الإناث والذكور على نحو مختلف . والغرباء أيضا يتعاملون مع الرضع اعتمادا على ما إذا كانوا يعتقدون أنه ولد أو فتاة . ففي مجموعة من الدراسات ، عرفت في بعض الأحيان باسم دراسات ( الطفل " س " ) طلب من البالغين اللعب مع طفل غير معروف لهم ( الطفل " س " ) والذي يرتدي ملابس محايدة جنسيا ( مثلا رداء لعب أصفر اللون ) وعلى الرغم من الرضيع دائما كان هو نفس الطفل ، فإن الأفراد الذين الذين أخبروا أن الطفل هو ولد كانوا أكثر ميلا إلى أن يحاولوا اللعب معه بألعاب ذكورية مثل ( الكرة والسيارات والمسدسات ) في حين أن أولئك الذين الذين أخبروا أن الطفل هو فتاة كانوا أكثر ميلا إلى أن يحاولوا اللعب معها بألعاب " أنثوية " مثل الدمى . ( بالإضافة إلى ذلك فان التحليل النفسي لبعض سلوكيات الطفل يرجع الى معرفة المحلل النفسي جنس الطفل المراد تحليل سلوكه ) . إن البالغين الذين ينظرون إلى تصوير فيديو للطفل غير معروف جنسيا بالنسبة إليهم في الملابس المحايدة يقيمونهم بطرق مختلفة ، بالاعتماد على ما إذا كانوا أخبروا أن الطفل ولد أو بنت . أولئك الذين يعتقدون أن الطفل هو ولد من المحتمل أن يصفوا الاستجابة العاطفية للطفل بأنها غضب ، في حين أن أولئك الذين يعتقدون أن الطفل هي فتاة يميلون إلى تصنيف الاستجابة العاطفية نفسها على أنها خوف .
إن النظريات الإدراكية لتطور الجنوسة تقترح أن الاطفال يصيرون إلى فهم أنهم ذكور أو إناث ، ومن ثم إلى تقدير الأنشطة المرتبطة بتعريف الجنس والانخراط فيها . وأن النظرية تقترح أن الأطفال لن يظهروا سلوكا جنسيا نمطيا حتى يتكون لديهم فهم راسخ لجنوستهم الشخصية وثباتنها عبر الزمن والمواقف .
الاهتمام بالألعاب يختلف من الفتيات والأولاد مبكرا منذ سن 12 شهرا في حين أن ثبات الجنوسة لا يشاهد إلا بعد 5 سنوات . ويقلد الأطفال سلوك الأطفال والبالغين من الجنس نفسه أكثر من الجنس الاخر .
الهرمونات والأبوة والأمومة :
يرتبط الاهتمام بالرضع بالمرحلة العمرية للفرد والتعلق الحالي بالأطفال . فالنساء اللاتي هن حاليا أمهات لرضع يستجبن أكثر للرضع من غير ذوات القربى من الأمهات الحوامل ، أو العازبات ، أو المتزوجات من دون أولاد ، أو أمهات لأطفال أكبر في العمر . وجدات الرضع أيضا يستجبن أكثر للرضع من النساء اللاتي أولادهن في مرحلة المراهقة . فقد اقترح أن الذكور يؤدون دورا في الاعتناء بالرضع في المجتمعات المعزولة وباتخاذ زوجة واحدة فقط وبالأسرة النووية ، وفي الأسر التي تساعد فيها النساء في دعم الدخل بالعمل .
الفروق الجنسية في الدماغ :
هل أدمغة الرجال والنساء متشابهة أم مختلفة ؟ تتشابه أدمغة الرجال والنساء ، لكن تختلف في بعض الجوانب . قد يكون الفرق الجنسي الأكثر وضوحا في الدماغ هو حجمه العام . فإن أدمغة الرجال أكبر وأثقل وزنا من أدمغة النساء . كذلك اقترح أن الفروق العرقية في حجم الدماغ تؤدي إلى الفروق العرقية في الذكاء . فهناك ادعاءات يمكنك أن تصدقها إن أردت – أن الألمان في القرن 18 كانوا متفوقون على الفرنسيين لأن لديهم أدمغة أكبر ، كذلك هناك ادعاءات معاصرة بأن البيض أكثر ذكاء من السود وأن الرجال أكثر ذكاء من النساء لأن أدمغتهم أكبر .
إن التوقعات والمعتقدات بالإضافة إلى الهرمونات قد تؤدي إلى تجنيس الدماغ ، ولعل أحد الاسهامات الرئيسية للسيكولوجيا كان التوثيق التجريبي لافتراض أن التوقعات قادرة على إحداث تغييرات سلوكية جذرية . فمثلا المرضى المصابون بالسكري أو الضغط لو تناولوا قرصا مضادا لهذا المرض( باعتقادهم طبعا ) وهذا القرص حقيقة هو نوع من المقويات ، سيحدث تأثيرات معينة عند هؤلاء المرضى توقعوها ، وإن لم يكن العلاج نفسه ، كذلك تؤثر توقعات الآباء في الأداء مباشرة ، كما تفعل توقعات المعلمين في دراسة روزنثال . بالإضافة لذلك تؤثر توقعات الآباء في توقعات أبنائهم . كما وجدت صلات مشابهة تربط بين الاعتقاد بضعف أداء النساء وبين الانخفاض في الاهتمام بالرياضيات بين النساء ، والهندسة والعلوم . لذا فإن التقارير التي تقول أن الهرمونات تدفع الفتيات أو الأولاد إلى الأداء بضعف أكثر في بعض المجالات أو تحد من الاحتمالات الوظيفية لأي من الجنسين – حتى عندما تكون خاطئة - هي تقارير ليست بالحميدة .
وأثبتت هوية جنوسة الدماغ أنها مرنة الى حد مدهش . بالإضافة إلى ذلك ، تقترح الأبحاث الحديثة أن الدماغ البالغ يستجيب لدرجة ملحوظة ، حتى من حيث التركيب للخبرة وكذلك الهرمونات .
نورس محمد قدور .
-
vBulletin® v3.8.5, Copyright ©2000-2012, Jelsoft Enterprises Ltd.