محمود العزامي
04-25-2008, 08:01 PM
واصل الرجل ابتسامته وقال : " إنك تذكرني بالقرى وأهلها. عيناك غريبتان ، إن هذه المدينة لا تحفل بطيبة أهل القرى. فمنذ أن أصبحت عاصمة ووجهها متجهم . وكأن الناس فائضون عن حاجتها. إن تطاوعني وتقبل نصيحتي. تنطلق صوب قريتك. يغنيك الله عن هذه الوظيفة، فلقد حدثت لي قصة، لعنت بعدها كل المدن . المدن يا ولدي لهن حركات (طرماء) . تسبّل لك المدينة عيونها ، وتدغدغ أحاسيسك برغباتها . حتى إذا ما اختليت بها تحت لحاف واحد، سامتك ألوان العذاب .قصتي جثمت فوق صدري خمسين عاماً . إنها كالموت أو الحياة، لا مفر منهما ولا مهرب ، بقيت صامتاً منكمشاً على نفسي كقنفد، غيّر هو هيئة جلوسه، واتكأ على شمعة المحراب فبرزت له كرش متهدلة، لكن منظرها لم يكن يزعجه، وكأنه يهيئ نفسه ليروي قصته .
ولأن المسجد أحب مكان عندي؛ أقضي به معظم وقتي ويأخذ جلَّ اهتمامي، أدخل من تحت أقواسه فأحس براحة عجيبة، راحة تهدهد ضلوعي وتذيب التعب في دخيلتي . وتريح أعصابي ، ارتحت للرجل ، راحة لا مثيل لها . إنه مثل أبى في ضياع هذه المدينة التي طردت عصافيرها للأبد ، حتى ضجيجها يمزق رأسي ، هذه المرة الثانية التي ادخل فيها هذه المدينة. في المرة الأولى قصدتها مريضاً ذابلاً فأولمت لي وأشعلت نارها ولم أغادرها حتى ذهب سقمي وتفتحت عيني على مباهجها فأعجبتني أول الأمر ، لأنها كانت قرية مثل قريتي هادئة وخجلة، بيد أن أضواءها الفاضحة لم تكن كذلك فاشتقت إلى قريتي التي أصابت مني القلب، ولِمَ لا؟ وأنا ابن قرية هام الشعراء في زهورها وحسن صباياها حتى انكووا. وكذاب من قال إنه سمع نعيق غراب في حقولها أو فوق بيادرها. الله ما أجملها يتهلل وجهها فرحاً إن دخلتها ويتهلل وجهي لها. ثلاثون عاماً وأنا ملتصق فيها إن ارتحلت رحلت معي وإذا هي رحلت، قصدتها وجلاً عليها . المدينة لم يخفق لي قلب وأنا أتسلل في ضجيجها الفظ، لكن الوظيفة الجديدة تجعل المرء يضحي بأحب أحلامه "إنها الحياة تأخذ أكثر مما تعطي" هذا ما قاله والدي صباح هذا اليوم وأنا منهمك في حزم أمتعتي. ولم افطن على عبراتي التي كادت أن تصير صراخاً رهيبا صدمتني جسور المدينة العالية واسمنتها السميك القاسي، فبحثت عن المسجد لأرتاح ولست أبالغ لو قلت أن المسجد يساوي عندي حضن أمي التي افتقدت منذ سنين . أشعر بحاجة إلى المسجد، حاجة لا ينفع معها شيء إنه ضالتي في خراب هذه المدينة. أظلّ أصلي ثم أقرأ القرآن. وإذا ما خشعت وظفرت بي طاعة الله. يداهمني البكاء. هذه هي عادتي. أعرفها وأكررها، حتى تخشع معي حيطان المسجد، يقول المؤذن: "الله أكبر " فلا ترى من أي ركن قالها، زقاق وصيحات وكهوف مسمنتة فوق بعضها فلا تهتدي للمسجد إلا بعد تعب وأهل المدينة إذا سألتهم سريعو الإجابة مرتبكون ربما أو عصبيون، لست ادري لكن الطير لا بد أن فعلت شيئاً فوق رؤوسهم ، في العشاء اهتدي إلى المسجد، الرائحة الزكية ما فتأت تفوح في أنفي، تناولت بعد الصلاة مصحفاً وانزويت في ردهة أقرأ القرآن. ولست ادري إن كنت أجهشت كعادتي في البكاء والأغلب أني تهورت وأضحى صوتي مسموعاً ففوجئت بهذا الرجل ذي الكرش المتهدل الذي منظرها لا يزعجه، ينحني فوق رأسي ويقبلني باسماً. كان يلبس ثوباً أسود وعلى رأسه قلنسوة بيضاء عندما أزاحها عن كاهل رأسه بزغت له صلعة عريضة ولامعة ومهيبة لكنني عندما انحدرت نحو الأنف الأفطس. شعرت أن الهيبة تتبدد شيئاً فشيئا.ً لكن منظر الشاربين النافرين – على بياضهما – أعاد للوجه الداكن بعض الهيبة قال : "وش بلاك يا ولدي " قلت : " ما بلاني شي ، أرجو أن تدعني وشأني ". لكنه ، ابتسم وتحولت انحناءته إلى جلسة فجلس وربت على كتفي وقال وهو يواصل الابتسام : " إن خلقتك يا ولدي لا تشبه خلق الناس هنا ، قل لي بربك من أين أتيت " ، فقلت : " أنا من قرية (زهوريا)، وقدمت إلى هذه المدينة لأنني توظفت فيها" وودت لو يتركني بهمي ويمضي إلى حال سبيله، لكنه فتح لي قلبه . وكأنني ملاك صغير بحجم قبضة اليد وقع عليه تلك الليلة من السماء وراعني إصراره على سرد بعض أيامه الماضية فقال وهو يمد رجليه الغليظتين : " نحن يا ولدي من البدو عشنا على الأطراف دائماً فلا نرى من المدن سوى مكب نفاياتها لا ندري عن الحضارة إلا اسمها نشتي في الغور لأنه دافئ شتاءً، ونربع في السبع، ونصيف في الخليل، هذه رحلتنا نخصص لكل فصل بقعة مظلمة ونائية، فنلتصق بها، مرت علينا أحداث النكبة فتصدينا مع المتصدين. وهربنا مع الهاربين . طيبون نحن وأهل نخوة يا ولدي ، إذا قيل لنا كروا يرحمكم الله كررنا كالسعادين، وإذا قيل لنا فروا عافاكم الله فعلنا دون أن نلوي رقابنا خلفنا، لكن الذي أتذكره أن الليل بقي يذهب ويجيء في موعده والقمر يذرع سماءنا بوسامة هي ذاتها قبل النكبة، كنت حين ذاك برعماً صغيراً لكن هذا البرعم يحب الفتيات الصغيرات ويلاحقهن، لا أدري كيف التصق بي مثل هذا الحب في بواكير أيامي، واغلب الظن أن ليس ثمة شيء جميل يقع عليه البصر آنذاك سوى النساء، والعجيب أني كنت دائماً على أمل أن أظفر بواحدة منهن النساء يا ولدي كن نساءً بحق لسن مثل اليوم. عندما تؤشر للواحدة تضع يدك على فمك وتحك بأطراف إصبعك على رأسك. تشعر بلذة جارفة حوار جاف بعيد لكنه من القلب إلى القلب، تضمن فيه خليلة جديدة توصلك في نهاية قصتك معها إلى لآلئ وجواهر ليس لها عد . السهم بين يديك تعرف متى تبدأ ومتى تنتهي والبركة مياهها راكدة مطمئنة . لكنها تتحرك وتصخب إذا رميت فيها حجراً . السهم يا ولدي قد يصيب من أول مرة، وقد يخيب تعاينك الفتاة في البداية فترى طولك وعرضك ثم تنظر خلفها، فتتذكر سيرتك هل أنت ممن يحفظون السر، ويحيطونه بالكتمان أم من الذين يوزعونه على الرعاة بعدها بزمن قصير. يكون الرد ويا لبساطة الرد! فقد ترد الفتاة بان تضع يدها على فمها برهة وهي تنظر إليك، وتصلح من شالها الذي يعد يستقر على رأسها منذ أن عبثت يداك بالمياه الراكدة. إنها لغة آلهية من الحب التليد أو لعنة لست ادري، لكنك لا بد ستسألني ثم ماذا يكون ؟؟ ألا ترى هذين الشاربين الأشيبين قد يشهدان الآن وينطقن بما لم انطقه، فقد دخلا معي في كل مدخل وشربا معي من كل نبع، تجلس الفتاة مع قطيعها بعيداً عن المضارب فيلبث القلب يراقبها ساعة ثم يصوب نحوها والسهام لا تخطئ صيدها تزحف باتجاهها كقبيلة شاردة وخلفها من يطالبها بالثأر، القلب يأمر الشاربين أن يقوما بواجباتهما، كما يأمر اللسان والشفاه والثياب، نعم يا ولدي عندما تربض فوقها ساعة الظهر، تشعر لوهلة أنك أبو زيد الهلالي ويتحتّم عليك أن ترد كرامة مسلوبة لعشرين قبيلة، ما تلبث بعدها أن تستريح فوق ربيع ناعم أملس فلا تترك فيه وردة دون أن تشمها وتعبث بها ثم تقطفها عندها تجد الساعات تهرب بقسوة، والشمس تلبد بخجل من روائح الأزهار الفاتنة. وتبقى رائحتها فيك سنين طويلة وتجد شوقك إن ابتعدت شوقاً فادحاً لا يلين وقلبك يتذكرها كقرد مفجوع، ولا بد انك ستسألني عن طفولتي، ولدت يا ولدي على هضبة ندية صبيحة يوم باهت من صيف الغور اللاهب وقال الرجال لوالدي سويدان مهنئين "مبارك راعي الإبل" فرد عليهم والبشر يتطاير في وجهه "يبارك الله في أعماركم " وأشعل بعدها النيران وذبح الغنم والإبل وشوى الحاضرون الشوايا، وزغردت نسوة منذ زمن لم تزغرد، وفرح أطفال لم يفرحوا منذ أمد. وتفتحت عيناي على بيوت من الشعر تناثرت فوق هضبة رملها ابيض طعمه مالح، لكن حبيباته متماسكة بقسوة ما، أوكلوا إليّ مهمة رعي "البهم" في البداية وكنت أرعاها برفقة أطفال شعث وغبر مثلي، كنا نلهو ونلعب ونقتتل ويسيل بعضنا دماء بعض، لأتفه سبب . وقساة نحن يا ولدي إذا أغضب الولد والده صاح الوالد "أمك طالق وقحبة" وعندما أعود آخر النهار ويصل القطيع قبلي أذوق كثيراً من الضرب على رأسي وظهري وكانت أمي لا تعضني إلا في كتفي، أما أبى فكان يجلدني بسوط ثخين على مؤخرتي وعلى وجهي ورأسي . والغريب أنني أذعن لهذا الضرب واشعر أنني استحقه في كثير من الأحيان، وفي الليل يجتمع الرجال حول النار ويخرجون من جيوبهم مكعبات سوداء اللون ثم يفتتون جزءً منها في علب الدخان، ولا ندري بعدها لماذا يغنون وتذهب عصبيتهم، ويرقصون أحياناً، وأحياناً يتصايحون ويتبادلون الشتائم لكنهم يقهقون وتبدو أسنانهم الصفراء فرحة، أما نحن الصغار فكنا نلعب حولهم، نلهو ونتعارك أيضاً وعندما كبرت قليلاً امرني والدي أن أرعى الأغنام في الجبال الوعرة وكنت لصغر سني أحاول أن أتقرب من الرعاة الآخرين والراعيات، ولا ادري لماذا كرهني كل من رآني. هل ترى عيوباً في وجهي ، إني أراك تقول نعم. فهذا الفم الواسع وهذا الأنف الناعس قطع رزقي من عطف الرعيان والراعيات. أجيء حولهم بأغنامي فيطردونني أنا وأغنامي وخاصة الفتيات. مرة كانت هناك فتاة اسمها "فضية" وبالفعل كانت الفضة تخرج من عينيها وربما من رجليها ، لست ادري لكنها كانت طويلة تشبه النخلة. بهدوء اقتربت منها وما إن شاهدتني حتى وقفت ووضعت يدها على خصرها المائل وتفرست عيناها في وجهي برهة وقالت : "اغرب عن وجهي عليك لعنة الله" ثم قالت : " سبحان الله ولد له وجه كلب " ومشيت وابتعدت عنها وأخذت بعدها أتحسس وجهي وأصبحت أتفحص وجوه الكلاب وألاحظ أنوفها وعيونها وخيط الشر الذي يسيل من أفواهها هكذا يا ولدي أقضي سحابة يومي في الجبال، أبحث عمن يؤنسني فلا أجده ، عندما أراه من بعيد اقترب فيطردني ويتعوذ من الشيطان الرجيم. ساخطاً على الحظ الذي أراه وجهي كلهم هكذا يا ولدي شعرت أني نبتة غريبة نمت بينهم، وعندما بدا الشعر يبزغ في وجهي أخذ يغطي شيئاً من البثور والحفر التي لا اعلم عددها في وجهي حتى الآن، أذكر بعدها أنني أصبحت في حاجة ماسة للفتيات، ولم اعد اقترب من الرعيان وأقول لك الحق أنه لم تسلم مني فتاة في ذلك الزمان. أوشر فألاحق ثم اظفر هذه مراحل لذتي، كيف أظفر . الله وحده يعلم .. التي تطردني وتشتمني بالأمس تغير اليوم رأيها. وتسلمني خدها ألوكه في فمي حتى يصير لونه قرمزياً متورداً ، وأنا احب اللون القرمزي المتورد. تكون عندها ذهبت أغنامي وابتعدت وكأنها لا تود إزعاجي. أو تحتج على فعلتي. لست ادري. أهب واقفاً بعدها. وأركض فرحاً خلف أغنامي، واذكر انه في كل مرة افعل فعلتي أجد الخبر سبقني ووصل والدي كيف ؟ لا أدري، ربما يندمن يا ولدي هن هكذا يخفن أن أفشي السر، فيبادرن إلى الشكوى فأتلظى من عصا السّدر في يد والدي حتى يصبح لون جلدي قرمزياً متورداً . وهذا اللون لن أنساه يا ولدي لون شاهدته في منتهى الفرح. وفي منتهى الحزن. لون يشبه الجنة ويشبه النار . يربطني بالحبال، وينهال علي ضرباً، عندما تتكسر العصا يدلي على الحجارة حتى يتعب، ثم يعضني في وجهي، ورأسي وظهري، حتى يتفجر دمي في فمه . نحن البدو يا ولدي. إن غضبنا غضبت أسناننا معنا . والمقلق أنني لم أتب بل زاد شغفي وجنوني، وكأن الفتيات قدر لا مفر منه . كانت فتاة اسمها (عمشة) ولم تكن كذلك فقد كانت عيناها أجمل ما فيها . قامتها رشيقة وفارعة منذ زمن وأنا أشعر أنها متغطرسة . وتكرهني لكن جمالها يغفر لها أنا أزداد قبحاً، وهي تزداد جمالاً . كانت تسوق أمامها الطهارة والحياء كقطيع . لا تأبه بي يروق لها أن تشتمني وهي تضحك . ثلاث سنين وأنا أتصارع مع حبها . وهي تشيح بوجهها كمهرة شرسة، تصعّر خدها، وتسع "قتلات" نقشن على جلدي . وسفك دمي في المرات التسعة . ولم يلامس فمي فمها بعد . وكلّما شكتني لأبي. وضربني وتعلقت فيها اكثر . وفي أحد الأيام لبدت لها في الوادي كنت أراها ولا تراني ، وسمعتها تغني بصوت ناعم ومستحيل :
"يا طير يا مصفق الجنحان
ما تبيعني فذة الريش
يا طير أنا بسألك يا طير
وش لون حال المحابيس
يا بنت أنا شفتهم بالعين
ومغيرين الملابيس"
شعرت أني ذلك الطير . وقد هيجني صوتها المتغطرس الناعم الذي قسا طوال الوقت فارتميت على جنبي كميت ، وأخذت أئن أنيناً ترق له الحجارة . وعندما اقتربت يبدو أنها سمعت صوت أنيني، فانتفضت وعادت للوراء، وأخذت حجراً من الأرض . ثم رأيت قدميها تسيران نحوي، ورمت الحجر الذي في يدها . واقتربت مني اكثر واكثر، وأصبحت أرى خصلة تتدلى من شعرها الفاحم فوق عينيها المكحلتين . وضعت يدها فوق رأسي ثم جلست وقالت : " هذا أنت يا "عطوة"، لم أردّ، وبقيت أئن وأرتجف كالملدوغ. حتى مدّت يدها نحو صدري تنبهني . فشعرت بتيار يسري في دمائي كلها. وددت لو تقترب أكثر واكثر، وهذا ما حدث وقعت في الشرك . ووضعت يدها فوق جبهتي وكأنها تفحص حرارتي . وفجأة انقلبت فوقها كالجن وأصبحت تئن تحتي . وأقسم لك بالله أن طعمها ما يزال في فمي حتى هذه اللحظة ."
ويبدو أنني نمت مرة أخرى ، وصحوت ، وجهي مبلل بالعرق . وها هو الرجل يمسح وجهي بردن ثوبه . ويبسمل ، غريب هذا الرجل . يسرد قصته وكأنها حمل ثقيل على قلبه . أنا أحاول أن أقاوم النوم ... وهو يصّر أن يكمل : " إن احب الله أن يدخلني جهنم ، فليدخلني ، إني استحق ، وإن أراد أن يسامحني فليفعل ، هذا ما حدث ، كانت أجمل فتاة وقع عليها بصري آنذاك ، ويبدو أنني أحدثت لها جرحاً ، ولكنها يا ولدي كانت فرحة ، في عينيها وميض يشبه ضوء ينعكس على صفحة الماء ، كان يتراقص ويغني ويغلي، نعم انقضضت على شفتيها امضغهما بشفاهي وذقني ، ونسيت هي عمرها وأهلها ، ونسيت أن وجهي وجه كلب أيضاً ، كانت تضحك ، وتبادلني آهات تلجلج في الضلوع كنار شاهبة ، وأحجار ذلك الوادي هاجعة مطمئنة وفرحة ربما ! ، وعندما عدت في المساء ، كنت أتوقع شكوى تنتظرني ، على غير العادة قابلني والدي باسماً ، وقال لي : "تعال نشرب القهوة ، الله يعطيك العافية يا ولدي " ، فانفرجت أساريري ، وفرحت ، ومشيت خلفه ، ويا ليتني ما مشيت ، فوجئت به يستدير ويلطمني على وجهي لطمة قاتلة ، وأخذ يشدني من شعري نحو البيت وربطني بالحبال كعادته ، وانحنى فوقي يدق رأسي بالحجارة والعصي ، وعندما غبت عن الوعي ، بال عليّ ، على رأسي ووجهي وبطني ، وعندما صحوت قال لي: " اسمع . لا فائدة منك ، قد طلقت أمك كثيراً ، ولا يمكنني تحملك ، خذ هذه خمسة دنانير، قد تعينك ، وارحل عنّي ، سأرتكب فيك جرماً لو شاهدت وجهك بعد اليوم ، انصرف وارحل ، دمرت سمعتنا يا ابن الشياطين " .
ولعلك تسألني أين كانت أمي يا ولدي ، كانت مستلقية على ظهرها تدخن ، ولم تعلق بكلمة واحدة ، لكنها عندما سمعت والدي ، انتفضت وجلست ، ولم انظر إليها إن كانت تنظر إلي ، لكنني عندما رحلت كانت جالسة ، جلستها شبه مقرفصة ، ولا أدري إذا كانت قالت شيئاً أو لا ، لم اسمعها تنبس بكلمة ، عند مغيب الشمس يا ولدي رحلت ، متعباً دامي الوجه وحزين ، لكن في جيبي خمسة دنانير ، هذه أول مرة يعطيني والدي النقود ، عندما أتذكر أنها ترقد في جيبي يهون علي كل شيء ، عليك اللعنة يا والدي، وكأنك قصدت هذا، مشيت دون أن التفت للوراء ، وبدأت أتسلق الجبال ، وعندما وصلت ذروة الجبل الأول ، تمنيت أن انظر للمضارب نظرتي الأخيرة ، حاولت أن الوي رقبتي ما استطعت ، لكنها لم تطاوعني ، هي المرة الأولى التي كدت أن أبكي فيها ، اشتهيت أن أتأمل سواد بيوت الشعر وأغرس بصري في أمي، تلك المرأة التي كانت مستلقية وعدلت حالها فجأة ، اغرس بصري في عمشة ، وعبيدة ، واشعيلة ، وطريفة ، لكن بصري الآن يخونني ، بصري يقول لي : " الحياة مستمرة يا عطا الله ، لن تتوقف فجأة ، أنت عنصر وسخ يا عطا الله ما الذي تريده الآن؟ انصرف وكفى " . هذه النظرة بقيت في نفسي ، وتملكتني بعدها طوال الوقت ، وأصبحت لا أذكر سواها ، لماذا ؟ لا ادري ، وأحس الآن بحزن يتفطر له قلبي ، اجل يا ولدي رحلت ، وليس على جلدي سوى ثوب بال ، وكان هذا آخر عهدي بقبيلتي وفتياتها ، وأبي وأمي وأغنامي وجبالي وودياني ، توغلت بعدها في الظلام أهبط مع الوديان وأعلو مع الجبال ، والجوع يمزق أحشائي ، وكأنه إبليس اللعين ، يتربص بي ، وكنت من قبل إذا اشتد جوعي ، تناولت خروفاً وكسرت رقبته وألقيته في النار ثم أكلته ، وإذا سألني عنه والدي ، سارعت إلى اتهام الكلاب ، نعم يا ولدي حتى الكلاب لها دين عندي ، ولا بد ستحاسبني يوماً ، وكنت إذا أمسكت كلباً ضغطت على رقبته بيدي حتى يخفت نباحه بين يدي ثم ارميه وأرقبه وهو يصارع منيته .
أصبحت أرى طوقاً من الأضواء يحاصرني من الشرق ، فتوقفت عن المشي وقلت في نفسي : " ينبغي أن تتحمل يا عطا الله ، الوقت متأخر الآن ، وهؤلاء الناس لا اعرفهم ، ولا يعرفونني ، وربما يقتلونني في هذا الليل البهيم " ، نعم يا ولدي الخوف كان دليلي إلى النجاة ، هكذا أنا ، أحسب لكل شيء حساباً كلما تذكرت فم والدي وهو يتشبث بلحم ذراعي . ارتميت في مغارة كان يهجع فيها كلب طردته ، ولم اقتله هذه المرة ، فهذه كلاب غريبة يا ولدي ، وأنا أخاف من الكلاب الغريبة ، ولا بد أن قصتي مع الكلاب قدر محتم كاللون القرمزي ، والفتيات ، أليس كذلك يا ولدي ؟ ؟ إني أرى وجهك قد تغضن وعينيك تتراوغان ، هل نعست يا ولدي ؟ إن نعست نم ، أما أنا فسأسرد قصتي عليك ، حتى وأنت نائم ، فربما لا نلتقي بعد اليوم، أنا مسافر في الغد وأنت لا بد ستطيعني وترحل إلى قريتك ، ولعلك تسألني الآن ماذا بعد ؟؟ صحوت مذعوراً برائحة الصبح ، هذه الرائحة يا ولدي اكثر سطوة على عقلي وقلبي ، منذ زمان بعيد ، الصبح يلهبني من جديد ، يعبؤني بحماس لا مثيل له ؛ حماس يكفيني لبقية اليوم ، واقسم لك أنني لم أحس بطعم الصباحات منذ ذلك الصباح ، كان شهياً لأنني كنت جائعاً ، وفيه خجل ووداد ، لأن الخجل لم يفطره الله في جسمي بعد ، كانت بيوت القرية صفراء بنيت من الطين والقش ، منها ما هو واسع ، ومنها ما هو ضيق ، والأغنام تضج بها من كل صوب ، ويبدو أن أهلها خرجوا من بدويتهم للتو ، انتقيت بيتاً واسعاً أقصده ، وقابلني رجل له لحية شقراء ، فيها قليل من الشيب ، لكن وسامته هزمت كل شيء ، رحب بي وصب القهوة ، وكان دائم الابتسام لي ، أما أنا فكنت متعجرفاً ، أكلمه وكأنه هو الضيف ، ثم قال لي : " اسمع يا عطوة والله إني أحببتك ، ووجهك هذا ذكرني بأخي الذي أكله الذئب ، امكث عندي ، ولا تحرمني منك ، ستعيش وكأنك واحد منا ، وأعلمك القراءة والكتابة فأنا ناظر القرية ، وامنح الشهادات " ، وعندما سألني عن أوراقي الثبوتية ، قلت له : " إن أهلي عندما جرفهم السيل ذهبت الأوراق " ، ووعدني بإخراج أوراق جديدة لي ، ويبدو أن الرجل أحبني ، أو خدع بي ، لأن الكذب كان يتقافز من شدقي ، وعلى الأرجح أنه فعل به ما فعل بغيره ، وما زلت أسبل عيوني للرجل وأقص عليه حكايات ملفقة عن عائلتي وكيف داهمها السيل ، حتى لمحت امرأة يروق للقمر أن يتنازل من السماء ، ويطلبها كي تحل محله ، أجمل ما فيها جسدها ، لها صدر بارز ، وكفلان مكوران بعناية فادحة ، ووجه يمشي فينير ما حوله ؛ لديها مشية راقصة تحرك قلوب في حالها ساكنة ومطمئنة ، وسأختصر عليك الكثير ، إني أراك تقاوم النوم وتجاهد من أجل أن تسمعني ، بقيت أرعى أغنام هذا الرجل في النهار ، وأتفحش مع امرأته في الليل ، نعم يا ولدي ، بقيت أخون هذا الرجل الذي أحسن لي مدة ثلاث سنوات ، كانت تدللني وتطرده ، وكنت اركبها كل ليلة حتى ازداد شغفها بي ، وكانت في الفراش تشبه أربعين امرأة مثلها ، لكن الأيام حسدت سعادتنا فجأة ، وضبطنا الرجل متلبسين ببعضنا ، في لحظة هي أحب ما عندها وعندي ، فتح الباب ولم يلتفت لي ، هربت ، وشاهدته يسجد عند رجليها ويقول :
" أتخونين عهد الله يا عائشة ؟؟ "
"إنني أحببتك حباً يسع الدنيا وما فيها !!"
نعم تركته يهذي عند رجليها ، وهربت ، في جيبي هذه المرة شهادة وبضعة دنانير ، واتجهت صوب المدينة ، يكاد انفي يعانق السحاب ، أتعجرف حتى على المارة في الشوارع ، وأتخابث مع النساء كلما شاهدتهن ، اشتريت ملابس جديدة ، وحلقت شعري ، وراق لي أن اشرب الخمر لأول مرة ، وفعلت ، جلست في حانوت قديم ، وطلبت قدحاً من الويسكي ، ذلك الكأس لن أنساه يا ولدي ، ما يزال بي حنين إليه ، كأس بدد حزني ، وحل عقدة من لساني ، وخرجت إلى الشوارع أعرف بنفسي ، بأنني : " الأستاذ عطا الله" وكم كان أهل المدينة يحبون المعلمين ، كانوا يدخلونني إلى غرف نومهم مقابل أن يتعلموا بعض الدروس ، وكان في الخمسينات العلم قليل والمعلمون من أبناء الطبقة الراقية ، وكانوا يحسبونني منهم ، ويتغاضون عن معابثتي لنسائهم وهمزي ولمزي ، وعندما ادخل بيوتهم مخموراً ، كانوا يسقونني القهوة ، كانوا يبتسمون دائماً . تعينت في الحكومة ودرست في مدرسة ابتدائية ، ثم انتقلت إلى مدرسة إعدادية في آخر جبل من جبال المدينة ، ادرس الطلاب نهاراً وأتسكع ليلاً، وأصبحت أقرا الجرائد ، وأتكلم وأحارب ، عشت أيامها حياة مترفة ، واشتريت بيتاً صغيراً زارته نساء كثيرات ، وقليل من الرجال ، ولا يزال الكذب يتطاير من شدقي ، تعرفت على كثير من النساء ، لم يعرفن أو يفكرن في الرذيلة يوماً ، ففكرن بها معي، وحولهن لساني إلى نساء من نوع ماكر ، أوفدت إلى الجامعة ، وركبت فترتها صهوة المعارضة وانتسبت لأقوى حزب في البلد ، سلاحي البتار هو لساني ، حملوني على الأكتاف عدة مرات ، ولمع لي اسم جديد عرفت به هو " الصاروخ " فأسمع الناس يرددونه إن شاهدوني ، سجنت مرتين ، وخرجت أقوى من ذي قبل ، صوري أصبحت الجرائد تحفل بها ، وأصبح الناس يحيطونني من كل جانب ، فترشحت للانتخابات وفزت على دائرة المدينة وليس لي فيها قريب ، وحصلت على رقم وصف بـ " الصعب" ، كيف حدث هذا لا ادري ، لكنني بعد فترة وجيزة ، عينت وزيراً ، فتغير حالي واصبح المال يجري في يدي كنهر ، وعندما زرت إحدى المؤسسات شاهدت امرأة تنحني فوق آلة كاتبة ، وقلت في نفسي : " إن هذا الجمال يجب ألا يتبدد أمام تلك الآلة " وعمى جمال وجهها بصري ، وأمرت بنقلها إلى مركز الوزارة ، وعلمت أنها متزوجة ولديها طفلان جميلان مثلها ، وأصبحت أزورها في بيتها ، ولم يبد لي زوجها في البداية أي امتعاض ، لكنه بعد شهرين طلقها ، ولست ادري السبب ، تزوجتها وبعد شهرين هربت عني ، ولا ادري أين هي الآن ، لكنني كنت احبها ولا ادري لم تركتني؟؟.
وعندما اشتريت بيتاً في لندن ، تزوجت امرأة اسمها "لوسي" فترة من الزمن ، لكنني بعد فترة وجيزة من الزمن كرهتها ، مللت من جسدها اللدن ، كانت امرأة تتعرق كثيراً ، وأنا لا احب المرأة التي تتعرق كثيراً ، فأصبحت لا انظر إلى وجهها إلا لماماً ، ثم قالت لي : " انك خبيث يا مستر عطوة ، لم أشاهد في حياتي أخبث منك". وانصرفت ، ولم أرها بعد ذلك .
ولا أدري كيف عرف أبناء قبيلتي وصولي إلى الوزارة ، فأصبحوا يتوافدون إلى بيتي فرادى وجماعات ، فغص بهم بيتي ، يأكلون من طعامي ، ويشربون من شرابي ، وعندما يتحدثون إلي كانوا يتأدبون ، وترتجف أيديهم أحياناً ، يطلبون الوظائف الصغيرة والخدمات التافهة ، فألبي لهم طلباتهم ، فيحسبونها معجزات قد تحققت ، وكان هذا رأفة مني بحالهم ، ونصبوني ، عميداً لهم ، وبعد تردد مقيت وافقت ، وأصبحت لا تفوتني وليمة أو اجتماع لديهم ، حتى ختان أولادهم وزواجهم وطلاقهم يدعونني إليه ، وكنت اقلب نساءهم حتى إذا أعجبتني الواحدة. أومأت لها فتتبعني أمام عيني زوجها . ولا ادري لم أحبني الناس كل هذا الحب. مع أنني اشعر أنني رجل كريه لا يمكن لحيوان أن يطيقه ، عمري كان كله مسخاً ، ولا يخطر ببالي الآن سوى الانتحار ، ذنوبي كثرت ، من الصعب أن تجد إلهاً يغفرها ، تبرعت لعشرين جمعية خيرية ، وثمة ذنوب لا يمكن لأحد أن يتغاضى عنها ، وكذاب لو قلت لك أنني تبت ، فما تزال جمهرة من النساء ينتظرنني على أحر من الجمر ، نساء فيهن حمرة طاغية يا ولدي."
ثم قال لي : عد ، عد ، يا ولدي إلى قريتك ، والتصق بأهلك وناسك، لا فائدة من هذه المدينة القحبة ، وبالفعل ، عدت إلى قريتي ، وبدأت أعمل في حقل والدي من الصباح حتى المساء ، أزرع الأرض وأسقيها ، ثم تثمر فأجمع ثمارها وأبيعه ، واشتري بذاراً أخرى وهكذا ، لكنني مللت الحياة ، وودت لو يقابلني ذلك الرجل الملعون ، كي أقول له بأنني مللت الحياة ، تزوجت ابنة عمي ، ولي أولاد كثيرون منها ، صياحهم لا يجعلني أنام ، بدأت أشقى رويداً رويداً ، والشيب يغزو رأسي ، وفقدت بعضي أسناني ، ولست ادري إن كانت حياتي الفارغة ، ستحسب لي حياة كأي حياة !! ..
ولأن المسجد أحب مكان عندي؛ أقضي به معظم وقتي ويأخذ جلَّ اهتمامي، أدخل من تحت أقواسه فأحس براحة عجيبة، راحة تهدهد ضلوعي وتذيب التعب في دخيلتي . وتريح أعصابي ، ارتحت للرجل ، راحة لا مثيل لها . إنه مثل أبى في ضياع هذه المدينة التي طردت عصافيرها للأبد ، حتى ضجيجها يمزق رأسي ، هذه المرة الثانية التي ادخل فيها هذه المدينة. في المرة الأولى قصدتها مريضاً ذابلاً فأولمت لي وأشعلت نارها ولم أغادرها حتى ذهب سقمي وتفتحت عيني على مباهجها فأعجبتني أول الأمر ، لأنها كانت قرية مثل قريتي هادئة وخجلة، بيد أن أضواءها الفاضحة لم تكن كذلك فاشتقت إلى قريتي التي أصابت مني القلب، ولِمَ لا؟ وأنا ابن قرية هام الشعراء في زهورها وحسن صباياها حتى انكووا. وكذاب من قال إنه سمع نعيق غراب في حقولها أو فوق بيادرها. الله ما أجملها يتهلل وجهها فرحاً إن دخلتها ويتهلل وجهي لها. ثلاثون عاماً وأنا ملتصق فيها إن ارتحلت رحلت معي وإذا هي رحلت، قصدتها وجلاً عليها . المدينة لم يخفق لي قلب وأنا أتسلل في ضجيجها الفظ، لكن الوظيفة الجديدة تجعل المرء يضحي بأحب أحلامه "إنها الحياة تأخذ أكثر مما تعطي" هذا ما قاله والدي صباح هذا اليوم وأنا منهمك في حزم أمتعتي. ولم افطن على عبراتي التي كادت أن تصير صراخاً رهيبا صدمتني جسور المدينة العالية واسمنتها السميك القاسي، فبحثت عن المسجد لأرتاح ولست أبالغ لو قلت أن المسجد يساوي عندي حضن أمي التي افتقدت منذ سنين . أشعر بحاجة إلى المسجد، حاجة لا ينفع معها شيء إنه ضالتي في خراب هذه المدينة. أظلّ أصلي ثم أقرأ القرآن. وإذا ما خشعت وظفرت بي طاعة الله. يداهمني البكاء. هذه هي عادتي. أعرفها وأكررها، حتى تخشع معي حيطان المسجد، يقول المؤذن: "الله أكبر " فلا ترى من أي ركن قالها، زقاق وصيحات وكهوف مسمنتة فوق بعضها فلا تهتدي للمسجد إلا بعد تعب وأهل المدينة إذا سألتهم سريعو الإجابة مرتبكون ربما أو عصبيون، لست ادري لكن الطير لا بد أن فعلت شيئاً فوق رؤوسهم ، في العشاء اهتدي إلى المسجد، الرائحة الزكية ما فتأت تفوح في أنفي، تناولت بعد الصلاة مصحفاً وانزويت في ردهة أقرأ القرآن. ولست ادري إن كنت أجهشت كعادتي في البكاء والأغلب أني تهورت وأضحى صوتي مسموعاً ففوجئت بهذا الرجل ذي الكرش المتهدل الذي منظرها لا يزعجه، ينحني فوق رأسي ويقبلني باسماً. كان يلبس ثوباً أسود وعلى رأسه قلنسوة بيضاء عندما أزاحها عن كاهل رأسه بزغت له صلعة عريضة ولامعة ومهيبة لكنني عندما انحدرت نحو الأنف الأفطس. شعرت أن الهيبة تتبدد شيئاً فشيئا.ً لكن منظر الشاربين النافرين – على بياضهما – أعاد للوجه الداكن بعض الهيبة قال : "وش بلاك يا ولدي " قلت : " ما بلاني شي ، أرجو أن تدعني وشأني ". لكنه ، ابتسم وتحولت انحناءته إلى جلسة فجلس وربت على كتفي وقال وهو يواصل الابتسام : " إن خلقتك يا ولدي لا تشبه خلق الناس هنا ، قل لي بربك من أين أتيت " ، فقلت : " أنا من قرية (زهوريا)، وقدمت إلى هذه المدينة لأنني توظفت فيها" وودت لو يتركني بهمي ويمضي إلى حال سبيله، لكنه فتح لي قلبه . وكأنني ملاك صغير بحجم قبضة اليد وقع عليه تلك الليلة من السماء وراعني إصراره على سرد بعض أيامه الماضية فقال وهو يمد رجليه الغليظتين : " نحن يا ولدي من البدو عشنا على الأطراف دائماً فلا نرى من المدن سوى مكب نفاياتها لا ندري عن الحضارة إلا اسمها نشتي في الغور لأنه دافئ شتاءً، ونربع في السبع، ونصيف في الخليل، هذه رحلتنا نخصص لكل فصل بقعة مظلمة ونائية، فنلتصق بها، مرت علينا أحداث النكبة فتصدينا مع المتصدين. وهربنا مع الهاربين . طيبون نحن وأهل نخوة يا ولدي ، إذا قيل لنا كروا يرحمكم الله كررنا كالسعادين، وإذا قيل لنا فروا عافاكم الله فعلنا دون أن نلوي رقابنا خلفنا، لكن الذي أتذكره أن الليل بقي يذهب ويجيء في موعده والقمر يذرع سماءنا بوسامة هي ذاتها قبل النكبة، كنت حين ذاك برعماً صغيراً لكن هذا البرعم يحب الفتيات الصغيرات ويلاحقهن، لا أدري كيف التصق بي مثل هذا الحب في بواكير أيامي، واغلب الظن أن ليس ثمة شيء جميل يقع عليه البصر آنذاك سوى النساء، والعجيب أني كنت دائماً على أمل أن أظفر بواحدة منهن النساء يا ولدي كن نساءً بحق لسن مثل اليوم. عندما تؤشر للواحدة تضع يدك على فمك وتحك بأطراف إصبعك على رأسك. تشعر بلذة جارفة حوار جاف بعيد لكنه من القلب إلى القلب، تضمن فيه خليلة جديدة توصلك في نهاية قصتك معها إلى لآلئ وجواهر ليس لها عد . السهم بين يديك تعرف متى تبدأ ومتى تنتهي والبركة مياهها راكدة مطمئنة . لكنها تتحرك وتصخب إذا رميت فيها حجراً . السهم يا ولدي قد يصيب من أول مرة، وقد يخيب تعاينك الفتاة في البداية فترى طولك وعرضك ثم تنظر خلفها، فتتذكر سيرتك هل أنت ممن يحفظون السر، ويحيطونه بالكتمان أم من الذين يوزعونه على الرعاة بعدها بزمن قصير. يكون الرد ويا لبساطة الرد! فقد ترد الفتاة بان تضع يدها على فمها برهة وهي تنظر إليك، وتصلح من شالها الذي يعد يستقر على رأسها منذ أن عبثت يداك بالمياه الراكدة. إنها لغة آلهية من الحب التليد أو لعنة لست ادري، لكنك لا بد ستسألني ثم ماذا يكون ؟؟ ألا ترى هذين الشاربين الأشيبين قد يشهدان الآن وينطقن بما لم انطقه، فقد دخلا معي في كل مدخل وشربا معي من كل نبع، تجلس الفتاة مع قطيعها بعيداً عن المضارب فيلبث القلب يراقبها ساعة ثم يصوب نحوها والسهام لا تخطئ صيدها تزحف باتجاهها كقبيلة شاردة وخلفها من يطالبها بالثأر، القلب يأمر الشاربين أن يقوما بواجباتهما، كما يأمر اللسان والشفاه والثياب، نعم يا ولدي عندما تربض فوقها ساعة الظهر، تشعر لوهلة أنك أبو زيد الهلالي ويتحتّم عليك أن ترد كرامة مسلوبة لعشرين قبيلة، ما تلبث بعدها أن تستريح فوق ربيع ناعم أملس فلا تترك فيه وردة دون أن تشمها وتعبث بها ثم تقطفها عندها تجد الساعات تهرب بقسوة، والشمس تلبد بخجل من روائح الأزهار الفاتنة. وتبقى رائحتها فيك سنين طويلة وتجد شوقك إن ابتعدت شوقاً فادحاً لا يلين وقلبك يتذكرها كقرد مفجوع، ولا بد انك ستسألني عن طفولتي، ولدت يا ولدي على هضبة ندية صبيحة يوم باهت من صيف الغور اللاهب وقال الرجال لوالدي سويدان مهنئين "مبارك راعي الإبل" فرد عليهم والبشر يتطاير في وجهه "يبارك الله في أعماركم " وأشعل بعدها النيران وذبح الغنم والإبل وشوى الحاضرون الشوايا، وزغردت نسوة منذ زمن لم تزغرد، وفرح أطفال لم يفرحوا منذ أمد. وتفتحت عيناي على بيوت من الشعر تناثرت فوق هضبة رملها ابيض طعمه مالح، لكن حبيباته متماسكة بقسوة ما، أوكلوا إليّ مهمة رعي "البهم" في البداية وكنت أرعاها برفقة أطفال شعث وغبر مثلي، كنا نلهو ونلعب ونقتتل ويسيل بعضنا دماء بعض، لأتفه سبب . وقساة نحن يا ولدي إذا أغضب الولد والده صاح الوالد "أمك طالق وقحبة" وعندما أعود آخر النهار ويصل القطيع قبلي أذوق كثيراً من الضرب على رأسي وظهري وكانت أمي لا تعضني إلا في كتفي، أما أبى فكان يجلدني بسوط ثخين على مؤخرتي وعلى وجهي ورأسي . والغريب أنني أذعن لهذا الضرب واشعر أنني استحقه في كثير من الأحيان، وفي الليل يجتمع الرجال حول النار ويخرجون من جيوبهم مكعبات سوداء اللون ثم يفتتون جزءً منها في علب الدخان، ولا ندري بعدها لماذا يغنون وتذهب عصبيتهم، ويرقصون أحياناً، وأحياناً يتصايحون ويتبادلون الشتائم لكنهم يقهقون وتبدو أسنانهم الصفراء فرحة، أما نحن الصغار فكنا نلعب حولهم، نلهو ونتعارك أيضاً وعندما كبرت قليلاً امرني والدي أن أرعى الأغنام في الجبال الوعرة وكنت لصغر سني أحاول أن أتقرب من الرعاة الآخرين والراعيات، ولا ادري لماذا كرهني كل من رآني. هل ترى عيوباً في وجهي ، إني أراك تقول نعم. فهذا الفم الواسع وهذا الأنف الناعس قطع رزقي من عطف الرعيان والراعيات. أجيء حولهم بأغنامي فيطردونني أنا وأغنامي وخاصة الفتيات. مرة كانت هناك فتاة اسمها "فضية" وبالفعل كانت الفضة تخرج من عينيها وربما من رجليها ، لست ادري لكنها كانت طويلة تشبه النخلة. بهدوء اقتربت منها وما إن شاهدتني حتى وقفت ووضعت يدها على خصرها المائل وتفرست عيناها في وجهي برهة وقالت : "اغرب عن وجهي عليك لعنة الله" ثم قالت : " سبحان الله ولد له وجه كلب " ومشيت وابتعدت عنها وأخذت بعدها أتحسس وجهي وأصبحت أتفحص وجوه الكلاب وألاحظ أنوفها وعيونها وخيط الشر الذي يسيل من أفواهها هكذا يا ولدي أقضي سحابة يومي في الجبال، أبحث عمن يؤنسني فلا أجده ، عندما أراه من بعيد اقترب فيطردني ويتعوذ من الشيطان الرجيم. ساخطاً على الحظ الذي أراه وجهي كلهم هكذا يا ولدي شعرت أني نبتة غريبة نمت بينهم، وعندما بدا الشعر يبزغ في وجهي أخذ يغطي شيئاً من البثور والحفر التي لا اعلم عددها في وجهي حتى الآن، أذكر بعدها أنني أصبحت في حاجة ماسة للفتيات، ولم اعد اقترب من الرعيان وأقول لك الحق أنه لم تسلم مني فتاة في ذلك الزمان. أوشر فألاحق ثم اظفر هذه مراحل لذتي، كيف أظفر . الله وحده يعلم .. التي تطردني وتشتمني بالأمس تغير اليوم رأيها. وتسلمني خدها ألوكه في فمي حتى يصير لونه قرمزياً متورداً ، وأنا احب اللون القرمزي المتورد. تكون عندها ذهبت أغنامي وابتعدت وكأنها لا تود إزعاجي. أو تحتج على فعلتي. لست ادري. أهب واقفاً بعدها. وأركض فرحاً خلف أغنامي، واذكر انه في كل مرة افعل فعلتي أجد الخبر سبقني ووصل والدي كيف ؟ لا أدري، ربما يندمن يا ولدي هن هكذا يخفن أن أفشي السر، فيبادرن إلى الشكوى فأتلظى من عصا السّدر في يد والدي حتى يصبح لون جلدي قرمزياً متورداً . وهذا اللون لن أنساه يا ولدي لون شاهدته في منتهى الفرح. وفي منتهى الحزن. لون يشبه الجنة ويشبه النار . يربطني بالحبال، وينهال علي ضرباً، عندما تتكسر العصا يدلي على الحجارة حتى يتعب، ثم يعضني في وجهي، ورأسي وظهري، حتى يتفجر دمي في فمه . نحن البدو يا ولدي. إن غضبنا غضبت أسناننا معنا . والمقلق أنني لم أتب بل زاد شغفي وجنوني، وكأن الفتيات قدر لا مفر منه . كانت فتاة اسمها (عمشة) ولم تكن كذلك فقد كانت عيناها أجمل ما فيها . قامتها رشيقة وفارعة منذ زمن وأنا أشعر أنها متغطرسة . وتكرهني لكن جمالها يغفر لها أنا أزداد قبحاً، وهي تزداد جمالاً . كانت تسوق أمامها الطهارة والحياء كقطيع . لا تأبه بي يروق لها أن تشتمني وهي تضحك . ثلاث سنين وأنا أتصارع مع حبها . وهي تشيح بوجهها كمهرة شرسة، تصعّر خدها، وتسع "قتلات" نقشن على جلدي . وسفك دمي في المرات التسعة . ولم يلامس فمي فمها بعد . وكلّما شكتني لأبي. وضربني وتعلقت فيها اكثر . وفي أحد الأيام لبدت لها في الوادي كنت أراها ولا تراني ، وسمعتها تغني بصوت ناعم ومستحيل :
"يا طير يا مصفق الجنحان
ما تبيعني فذة الريش
يا طير أنا بسألك يا طير
وش لون حال المحابيس
يا بنت أنا شفتهم بالعين
ومغيرين الملابيس"
شعرت أني ذلك الطير . وقد هيجني صوتها المتغطرس الناعم الذي قسا طوال الوقت فارتميت على جنبي كميت ، وأخذت أئن أنيناً ترق له الحجارة . وعندما اقتربت يبدو أنها سمعت صوت أنيني، فانتفضت وعادت للوراء، وأخذت حجراً من الأرض . ثم رأيت قدميها تسيران نحوي، ورمت الحجر الذي في يدها . واقتربت مني اكثر واكثر، وأصبحت أرى خصلة تتدلى من شعرها الفاحم فوق عينيها المكحلتين . وضعت يدها فوق رأسي ثم جلست وقالت : " هذا أنت يا "عطوة"، لم أردّ، وبقيت أئن وأرتجف كالملدوغ. حتى مدّت يدها نحو صدري تنبهني . فشعرت بتيار يسري في دمائي كلها. وددت لو تقترب أكثر واكثر، وهذا ما حدث وقعت في الشرك . ووضعت يدها فوق جبهتي وكأنها تفحص حرارتي . وفجأة انقلبت فوقها كالجن وأصبحت تئن تحتي . وأقسم لك بالله أن طعمها ما يزال في فمي حتى هذه اللحظة ."
ويبدو أنني نمت مرة أخرى ، وصحوت ، وجهي مبلل بالعرق . وها هو الرجل يمسح وجهي بردن ثوبه . ويبسمل ، غريب هذا الرجل . يسرد قصته وكأنها حمل ثقيل على قلبه . أنا أحاول أن أقاوم النوم ... وهو يصّر أن يكمل : " إن احب الله أن يدخلني جهنم ، فليدخلني ، إني استحق ، وإن أراد أن يسامحني فليفعل ، هذا ما حدث ، كانت أجمل فتاة وقع عليها بصري آنذاك ، ويبدو أنني أحدثت لها جرحاً ، ولكنها يا ولدي كانت فرحة ، في عينيها وميض يشبه ضوء ينعكس على صفحة الماء ، كان يتراقص ويغني ويغلي، نعم انقضضت على شفتيها امضغهما بشفاهي وذقني ، ونسيت هي عمرها وأهلها ، ونسيت أن وجهي وجه كلب أيضاً ، كانت تضحك ، وتبادلني آهات تلجلج في الضلوع كنار شاهبة ، وأحجار ذلك الوادي هاجعة مطمئنة وفرحة ربما ! ، وعندما عدت في المساء ، كنت أتوقع شكوى تنتظرني ، على غير العادة قابلني والدي باسماً ، وقال لي : "تعال نشرب القهوة ، الله يعطيك العافية يا ولدي " ، فانفرجت أساريري ، وفرحت ، ومشيت خلفه ، ويا ليتني ما مشيت ، فوجئت به يستدير ويلطمني على وجهي لطمة قاتلة ، وأخذ يشدني من شعري نحو البيت وربطني بالحبال كعادته ، وانحنى فوقي يدق رأسي بالحجارة والعصي ، وعندما غبت عن الوعي ، بال عليّ ، على رأسي ووجهي وبطني ، وعندما صحوت قال لي: " اسمع . لا فائدة منك ، قد طلقت أمك كثيراً ، ولا يمكنني تحملك ، خذ هذه خمسة دنانير، قد تعينك ، وارحل عنّي ، سأرتكب فيك جرماً لو شاهدت وجهك بعد اليوم ، انصرف وارحل ، دمرت سمعتنا يا ابن الشياطين " .
ولعلك تسألني أين كانت أمي يا ولدي ، كانت مستلقية على ظهرها تدخن ، ولم تعلق بكلمة واحدة ، لكنها عندما سمعت والدي ، انتفضت وجلست ، ولم انظر إليها إن كانت تنظر إلي ، لكنني عندما رحلت كانت جالسة ، جلستها شبه مقرفصة ، ولا أدري إذا كانت قالت شيئاً أو لا ، لم اسمعها تنبس بكلمة ، عند مغيب الشمس يا ولدي رحلت ، متعباً دامي الوجه وحزين ، لكن في جيبي خمسة دنانير ، هذه أول مرة يعطيني والدي النقود ، عندما أتذكر أنها ترقد في جيبي يهون علي كل شيء ، عليك اللعنة يا والدي، وكأنك قصدت هذا، مشيت دون أن التفت للوراء ، وبدأت أتسلق الجبال ، وعندما وصلت ذروة الجبل الأول ، تمنيت أن انظر للمضارب نظرتي الأخيرة ، حاولت أن الوي رقبتي ما استطعت ، لكنها لم تطاوعني ، هي المرة الأولى التي كدت أن أبكي فيها ، اشتهيت أن أتأمل سواد بيوت الشعر وأغرس بصري في أمي، تلك المرأة التي كانت مستلقية وعدلت حالها فجأة ، اغرس بصري في عمشة ، وعبيدة ، واشعيلة ، وطريفة ، لكن بصري الآن يخونني ، بصري يقول لي : " الحياة مستمرة يا عطا الله ، لن تتوقف فجأة ، أنت عنصر وسخ يا عطا الله ما الذي تريده الآن؟ انصرف وكفى " . هذه النظرة بقيت في نفسي ، وتملكتني بعدها طوال الوقت ، وأصبحت لا أذكر سواها ، لماذا ؟ لا ادري ، وأحس الآن بحزن يتفطر له قلبي ، اجل يا ولدي رحلت ، وليس على جلدي سوى ثوب بال ، وكان هذا آخر عهدي بقبيلتي وفتياتها ، وأبي وأمي وأغنامي وجبالي وودياني ، توغلت بعدها في الظلام أهبط مع الوديان وأعلو مع الجبال ، والجوع يمزق أحشائي ، وكأنه إبليس اللعين ، يتربص بي ، وكنت من قبل إذا اشتد جوعي ، تناولت خروفاً وكسرت رقبته وألقيته في النار ثم أكلته ، وإذا سألني عنه والدي ، سارعت إلى اتهام الكلاب ، نعم يا ولدي حتى الكلاب لها دين عندي ، ولا بد ستحاسبني يوماً ، وكنت إذا أمسكت كلباً ضغطت على رقبته بيدي حتى يخفت نباحه بين يدي ثم ارميه وأرقبه وهو يصارع منيته .
أصبحت أرى طوقاً من الأضواء يحاصرني من الشرق ، فتوقفت عن المشي وقلت في نفسي : " ينبغي أن تتحمل يا عطا الله ، الوقت متأخر الآن ، وهؤلاء الناس لا اعرفهم ، ولا يعرفونني ، وربما يقتلونني في هذا الليل البهيم " ، نعم يا ولدي الخوف كان دليلي إلى النجاة ، هكذا أنا ، أحسب لكل شيء حساباً كلما تذكرت فم والدي وهو يتشبث بلحم ذراعي . ارتميت في مغارة كان يهجع فيها كلب طردته ، ولم اقتله هذه المرة ، فهذه كلاب غريبة يا ولدي ، وأنا أخاف من الكلاب الغريبة ، ولا بد أن قصتي مع الكلاب قدر محتم كاللون القرمزي ، والفتيات ، أليس كذلك يا ولدي ؟ ؟ إني أرى وجهك قد تغضن وعينيك تتراوغان ، هل نعست يا ولدي ؟ إن نعست نم ، أما أنا فسأسرد قصتي عليك ، حتى وأنت نائم ، فربما لا نلتقي بعد اليوم، أنا مسافر في الغد وأنت لا بد ستطيعني وترحل إلى قريتك ، ولعلك تسألني الآن ماذا بعد ؟؟ صحوت مذعوراً برائحة الصبح ، هذه الرائحة يا ولدي اكثر سطوة على عقلي وقلبي ، منذ زمان بعيد ، الصبح يلهبني من جديد ، يعبؤني بحماس لا مثيل له ؛ حماس يكفيني لبقية اليوم ، واقسم لك أنني لم أحس بطعم الصباحات منذ ذلك الصباح ، كان شهياً لأنني كنت جائعاً ، وفيه خجل ووداد ، لأن الخجل لم يفطره الله في جسمي بعد ، كانت بيوت القرية صفراء بنيت من الطين والقش ، منها ما هو واسع ، ومنها ما هو ضيق ، والأغنام تضج بها من كل صوب ، ويبدو أن أهلها خرجوا من بدويتهم للتو ، انتقيت بيتاً واسعاً أقصده ، وقابلني رجل له لحية شقراء ، فيها قليل من الشيب ، لكن وسامته هزمت كل شيء ، رحب بي وصب القهوة ، وكان دائم الابتسام لي ، أما أنا فكنت متعجرفاً ، أكلمه وكأنه هو الضيف ، ثم قال لي : " اسمع يا عطوة والله إني أحببتك ، ووجهك هذا ذكرني بأخي الذي أكله الذئب ، امكث عندي ، ولا تحرمني منك ، ستعيش وكأنك واحد منا ، وأعلمك القراءة والكتابة فأنا ناظر القرية ، وامنح الشهادات " ، وعندما سألني عن أوراقي الثبوتية ، قلت له : " إن أهلي عندما جرفهم السيل ذهبت الأوراق " ، ووعدني بإخراج أوراق جديدة لي ، ويبدو أن الرجل أحبني ، أو خدع بي ، لأن الكذب كان يتقافز من شدقي ، وعلى الأرجح أنه فعل به ما فعل بغيره ، وما زلت أسبل عيوني للرجل وأقص عليه حكايات ملفقة عن عائلتي وكيف داهمها السيل ، حتى لمحت امرأة يروق للقمر أن يتنازل من السماء ، ويطلبها كي تحل محله ، أجمل ما فيها جسدها ، لها صدر بارز ، وكفلان مكوران بعناية فادحة ، ووجه يمشي فينير ما حوله ؛ لديها مشية راقصة تحرك قلوب في حالها ساكنة ومطمئنة ، وسأختصر عليك الكثير ، إني أراك تقاوم النوم وتجاهد من أجل أن تسمعني ، بقيت أرعى أغنام هذا الرجل في النهار ، وأتفحش مع امرأته في الليل ، نعم يا ولدي ، بقيت أخون هذا الرجل الذي أحسن لي مدة ثلاث سنوات ، كانت تدللني وتطرده ، وكنت اركبها كل ليلة حتى ازداد شغفها بي ، وكانت في الفراش تشبه أربعين امرأة مثلها ، لكن الأيام حسدت سعادتنا فجأة ، وضبطنا الرجل متلبسين ببعضنا ، في لحظة هي أحب ما عندها وعندي ، فتح الباب ولم يلتفت لي ، هربت ، وشاهدته يسجد عند رجليها ويقول :
" أتخونين عهد الله يا عائشة ؟؟ "
"إنني أحببتك حباً يسع الدنيا وما فيها !!"
نعم تركته يهذي عند رجليها ، وهربت ، في جيبي هذه المرة شهادة وبضعة دنانير ، واتجهت صوب المدينة ، يكاد انفي يعانق السحاب ، أتعجرف حتى على المارة في الشوارع ، وأتخابث مع النساء كلما شاهدتهن ، اشتريت ملابس جديدة ، وحلقت شعري ، وراق لي أن اشرب الخمر لأول مرة ، وفعلت ، جلست في حانوت قديم ، وطلبت قدحاً من الويسكي ، ذلك الكأس لن أنساه يا ولدي ، ما يزال بي حنين إليه ، كأس بدد حزني ، وحل عقدة من لساني ، وخرجت إلى الشوارع أعرف بنفسي ، بأنني : " الأستاذ عطا الله" وكم كان أهل المدينة يحبون المعلمين ، كانوا يدخلونني إلى غرف نومهم مقابل أن يتعلموا بعض الدروس ، وكان في الخمسينات العلم قليل والمعلمون من أبناء الطبقة الراقية ، وكانوا يحسبونني منهم ، ويتغاضون عن معابثتي لنسائهم وهمزي ولمزي ، وعندما ادخل بيوتهم مخموراً ، كانوا يسقونني القهوة ، كانوا يبتسمون دائماً . تعينت في الحكومة ودرست في مدرسة ابتدائية ، ثم انتقلت إلى مدرسة إعدادية في آخر جبل من جبال المدينة ، ادرس الطلاب نهاراً وأتسكع ليلاً، وأصبحت أقرا الجرائد ، وأتكلم وأحارب ، عشت أيامها حياة مترفة ، واشتريت بيتاً صغيراً زارته نساء كثيرات ، وقليل من الرجال ، ولا يزال الكذب يتطاير من شدقي ، تعرفت على كثير من النساء ، لم يعرفن أو يفكرن في الرذيلة يوماً ، ففكرن بها معي، وحولهن لساني إلى نساء من نوع ماكر ، أوفدت إلى الجامعة ، وركبت فترتها صهوة المعارضة وانتسبت لأقوى حزب في البلد ، سلاحي البتار هو لساني ، حملوني على الأكتاف عدة مرات ، ولمع لي اسم جديد عرفت به هو " الصاروخ " فأسمع الناس يرددونه إن شاهدوني ، سجنت مرتين ، وخرجت أقوى من ذي قبل ، صوري أصبحت الجرائد تحفل بها ، وأصبح الناس يحيطونني من كل جانب ، فترشحت للانتخابات وفزت على دائرة المدينة وليس لي فيها قريب ، وحصلت على رقم وصف بـ " الصعب" ، كيف حدث هذا لا ادري ، لكنني بعد فترة وجيزة ، عينت وزيراً ، فتغير حالي واصبح المال يجري في يدي كنهر ، وعندما زرت إحدى المؤسسات شاهدت امرأة تنحني فوق آلة كاتبة ، وقلت في نفسي : " إن هذا الجمال يجب ألا يتبدد أمام تلك الآلة " وعمى جمال وجهها بصري ، وأمرت بنقلها إلى مركز الوزارة ، وعلمت أنها متزوجة ولديها طفلان جميلان مثلها ، وأصبحت أزورها في بيتها ، ولم يبد لي زوجها في البداية أي امتعاض ، لكنه بعد شهرين طلقها ، ولست ادري السبب ، تزوجتها وبعد شهرين هربت عني ، ولا ادري أين هي الآن ، لكنني كنت احبها ولا ادري لم تركتني؟؟.
وعندما اشتريت بيتاً في لندن ، تزوجت امرأة اسمها "لوسي" فترة من الزمن ، لكنني بعد فترة وجيزة من الزمن كرهتها ، مللت من جسدها اللدن ، كانت امرأة تتعرق كثيراً ، وأنا لا احب المرأة التي تتعرق كثيراً ، فأصبحت لا انظر إلى وجهها إلا لماماً ، ثم قالت لي : " انك خبيث يا مستر عطوة ، لم أشاهد في حياتي أخبث منك". وانصرفت ، ولم أرها بعد ذلك .
ولا أدري كيف عرف أبناء قبيلتي وصولي إلى الوزارة ، فأصبحوا يتوافدون إلى بيتي فرادى وجماعات ، فغص بهم بيتي ، يأكلون من طعامي ، ويشربون من شرابي ، وعندما يتحدثون إلي كانوا يتأدبون ، وترتجف أيديهم أحياناً ، يطلبون الوظائف الصغيرة والخدمات التافهة ، فألبي لهم طلباتهم ، فيحسبونها معجزات قد تحققت ، وكان هذا رأفة مني بحالهم ، ونصبوني ، عميداً لهم ، وبعد تردد مقيت وافقت ، وأصبحت لا تفوتني وليمة أو اجتماع لديهم ، حتى ختان أولادهم وزواجهم وطلاقهم يدعونني إليه ، وكنت اقلب نساءهم حتى إذا أعجبتني الواحدة. أومأت لها فتتبعني أمام عيني زوجها . ولا ادري لم أحبني الناس كل هذا الحب. مع أنني اشعر أنني رجل كريه لا يمكن لحيوان أن يطيقه ، عمري كان كله مسخاً ، ولا يخطر ببالي الآن سوى الانتحار ، ذنوبي كثرت ، من الصعب أن تجد إلهاً يغفرها ، تبرعت لعشرين جمعية خيرية ، وثمة ذنوب لا يمكن لأحد أن يتغاضى عنها ، وكذاب لو قلت لك أنني تبت ، فما تزال جمهرة من النساء ينتظرنني على أحر من الجمر ، نساء فيهن حمرة طاغية يا ولدي."
ثم قال لي : عد ، عد ، يا ولدي إلى قريتك ، والتصق بأهلك وناسك، لا فائدة من هذه المدينة القحبة ، وبالفعل ، عدت إلى قريتي ، وبدأت أعمل في حقل والدي من الصباح حتى المساء ، أزرع الأرض وأسقيها ، ثم تثمر فأجمع ثمارها وأبيعه ، واشتري بذاراً أخرى وهكذا ، لكنني مللت الحياة ، وودت لو يقابلني ذلك الرجل الملعون ، كي أقول له بأنني مللت الحياة ، تزوجت ابنة عمي ، ولي أولاد كثيرون منها ، صياحهم لا يجعلني أنام ، بدأت أشقى رويداً رويداً ، والشيب يغزو رأسي ، وفقدت بعضي أسناني ، ولست ادري إن كانت حياتي الفارغة ، ستحسب لي حياة كأي حياة !! ..