المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قصيدة تربوية / جمانة طه


سهاد
03-01-2008, 05:48 PM
"قصيدة تربوية" هو اسم لكتاب تربوي ذو ثلاثة أجزاء
يقدم تجربة تربوية إبداعية رائدة ما زالت مرجعاً في مجالها
جعلت صاحبها (أنطون سيميونوفتش ماكارنكو) من أبرز المربين في العالم
ودعت مكسيم غوركي ليقول عنه:
"إنه مربٍ وموهوب، وإنسان بالمعنى الكبير من أولئك الذين تحتاجهم روسيا".‏


ولأنني لم أجد في المكتبة سوى الجزء الثاني من الكتاب
فقد أسعدني أن أجد عرضاً له بقلم جمانة طه
فآثرت نقل مقالها لكم ... فهو كتاب يستحق القراءة
مازلت أبحث عن جزأيه الآخرين



:


http://10planet.net/vb/attachment.php?attachmentid=4979&stc=1&d=1204388983



عندما كُلف أستاذ التاريخ الشاب ماكارنكو في العام الثالث لوجود الجمهورية السوفييتية، بإدارة إصلاحية تضم أطفالاً قست عليهم الحياة وأهانتهم أشد إهانة، صمم على إعادة بنائهم إنسانياً وبما يتناسب مع معطيات الحياة الجديدة. فحرص على تحويل الإصلاحية من مكان يعتقل فيه الأحداث، إلى مكان يُهذبون فيه سلوكياً وتربوياً وعملياً .‏

البداية، كانت في مبنى شبه مهدم ومهجور. فاستطاع مع عدد من زملائه أن يرمم المبنى ويجعله -إلى حد ما- مكاناً مهيئاً للسكن. لكن الصعوبة الكبيرة التي واجهته ولم يتوقعها، كانت في إقناع الجانحين بتقبل العمل التربوي في الإصلاحية، وعدم رفضهم أي شكل من أشكال الحضارة. ولاسيما أنهم تعودوا على القيام بأعمال صادمة، مثل إهانة المربين ورواية حكايات رذيلة أمام المربيات، وإشهار السكاكين على بعضهم بعضاً.‏

لم تكن الأشهر الأولى من عمل ماكارنكو في الإصلاحية فترة إرهاق وتوتر فحسب، بل كانت أيضاً فترة بحث عن الحقيقة والإنسان. ولأنه لا يملك خبرة في مجال تربية الأحداث، وكان مضطرا لمراجعة تصوراته العامة عن الإنسان مراجعة مباشرة، عاد من جديد إلى قراءة كتب مكسيم غوركي التي أفادته ووضعت تصوراته في مسارها الصحيح. كما استمد من واقع الإصلاحية خبرة التحليل الميداني، ومواجهة العوائق وتذليلها.‏


http://10planet.net/vb/attachment.php?attachmentid=4982&stc=1&d=1204389570

عانى المربون والجانحون، من شظف العيش في الإصلاحية وصعوبته. فالأجساد شبه عارية، والأقدام بلا نعال وملفوفة بخرق تربطها خيوط. والطعام وجبة بسيطة تسمى (المرقة)، تكاد لا تسد الرمق. أما الأنواع الأخرى من الطعام، فتقدم في المناسبات.‏

كانت حاجتهم إلى طعام مختلف، تخرجهم من المجال الضيق لعالم التربية، إلى القيام بغارات على المناطق المجاورة، ولاسيما على لجنة مؤن المقاطعة. أما لماذا لم يهرب الأولاد من الإصلاحية، واستمروا بالعيش في هذه الظروف البائسة، فلأنهم لن يجدوا في الخارج حياة أفضل.‏

ولكي يظفروا بحصة المصحة من الحليب والدهن والخبز الأبيض، كانوا يضطرون بأسلوب دبلوماسي، سري وعلني، إلى استمالة عطف قلوب القائمين على توزيع الحصص، بالإقناع والرجاء والتوسل أو الحيلة والخديعة، وأحياناً بالتهديد بفكرة تمرد الأحداث.‏

وفي هذا الشأن، يقول ماكارنكو: "كنا ننجح أحيانا من خلال ضغط شديد، فنأخذ لحماً وكونسروا وحلويات. لكن حياتنا كانت تصبح بها أكثر بؤساً وحزناً، وذلك عندما يكتشفون أن الناقصين خُلقياً لا حق لهم بهذا البذخ، وإنما هو مخصص فقط للناقصين عقلياً." مما دعا المربين للتقدم بعريضة تحمل جملة بسيطة معبرة: "إن إصلاحية الأحداث الجانحين، ترجو أن تعطى مئة بود من الطحين لتغذية أولادها الأحداث..". وإذا كان تأمين اللباس للأحداث، على أهميته، لا يأتي في سلم الأولويات، فإن التغاضي عن تأمين الطعام هو ضرب من المستحيل، لأنه يشكل الحاجة الأساسية للحياة. فعندما يجوع الأولاد، تصبح إعادة تربيتهم الخُلقية عملية معقدة كثيراً.‏

وبسبب هذه الظروف الاقتصادية الضاغطة، لم يستطيعوا أن يصلحوا غير مهجع واحد تمت تدفئته بمنقلين، ويضم ثلاثين سريراً خشبياً للنوم، وثلاث طاولات كبيرة مفككة الأوصال ومقشرة كان الأولاد يأكلون عليها ويكتبون. ومن أجل توفير بعض المال لشراء بعض الأجهزة والمعدات، زادوا في التقتير على أنفسهم، فأكلوا بملاعق خشبية ولبسوا ثياباً داخلية مرقعة، وخارجية تكاد لا تستر أجسادهم.‏

وفي هذا الخصوص نذكر أن (كودلاتي) وهو أحد المربين، حرص بشدة على اقتصاد الإصلاحية. فكان يتألم إذا سقط قليل من القش من العربة، أو ضاع قفل أو فقد مفصل من باب زريبة الأبقار. حتى صرفه هذا الحرص المادي، عن فهم مشاعر الأولاد وتحسس أهوائهم الإنسانية. فكان يتضايق من الذين يتسلقون الشجرة في سراويلهم الجديدة، لأنه لم يكن في وسعه أن يفهم أن بين الولد والشجرة صلة سببية، وهو عندما يتسلق الشجرة بسرواله الجديد يشعر بفرح شديد.‏


^
^
^




.

سهاد
03-01-2008, 06:08 PM
http://10planet.net/vb/attachment.php?attachmentid=4983&stc=1&d=1204390530

العمل في السنة الأولى من عمر الإصلاحية، أقلق المربين على مستقبلها وأرهقهم. وذلك بسبب نزعة الأولاد إلى الشجار، وإثارتهم الخصومات التي تفرق بينهم، وتفكك أواصر تقاربهم.‏

صحيح أن الإصلاحية هي مجرد عالم صغير، لكنه عالم مليء بالحياة وبالتناقضات. ففيه الاحتيال والمراوغة والسرقة ولعب القمار وتعاطي المشروبات الكحولية ومشاعر البغضاء، هذا عدا غياب النظافة عن الأولاد وضعف بنيتهم ونحولهم وتفشي بعض الأمراض والأمية.‏

ووفقاً لهذه الأوضاع، قرر ماكارنكو أن يتعامل مع الأولاد بعنف ودكتاتورية، ليحكم سيطرته عليهم ويتمكن من ترويض أمزجتهم وتهذيب سلوكهم. مع أنه يعرف جيداً بأن أسلوب العنف مخالف لقواعد التربية، لكن للضرورة أحكام.‏

كان معظم الأولاد أميين تماماً، أو شبه أميين. ومع أن بعضهم كان يتمتع بمستوى فكري لا بأس به، إلا أن علاقتهم بالآخرين أخذت مظهر القوة، للدفاع عن النفس أو للتهديد ببطولة بدائية. وبسبب معاناتهم من الجوع، لم يشرعوا بتحصيل الثقافة إلا تدريجياً وببطء شديد.‏

وحين أدرك الجانحون الذين فقدوا أسرتهم وهم في ميعة الحداثة، ولم يحملوا معهم على درب الحياة أي زاد من الحرارة والعطف، تغيرت نظرتهم إلى المربين وعرفوا أنهم ليسوا قوة معادية لهم. فاجتهدوا لتغيير سلوكهم المشاكس، وتحسين أسلوب تعاملهم مع المربين. كما أظهروا روحاً جماعية طيبة تلقفها ماكارنكو بمحبة، وعمل على حمايتها بالتخطيط السليم والتنفيذ الواعي.‏

فقسم الأولاد إلى كتائب عديدة، وكلف كل كتيبة بعمل محدد. مما أكسبهم خبرة وشعوراً بالمسؤولية، ومنح الإصلاحية جواً من التنظيم. حتى أن عدداً من الأولاد الكبار تحولوا من عدوانيين إلى مسالمين، ومن سلبيين إلى متعاونين. فغيروا أسلوب تعاملهم مع الصغار، وسلكوا معهم سلوك الأخوة الكبار، يساعدونهم في استحمامهم وفي إلباسهم ويمنعونهم من المشاجرة.‏

عندما تحسنت علاقة الأولاد بالمربين وبالمناهج الدراسية، تحسنت ثقافتهم وصاروا أقرب إلى المجتمع المدرسي السوي. وتغير بالتالي مجتمع الإصلاحية، فصار أهدأ وأكثر انضباطاً. ولا شك في أن التأثير الكبير الذي تركه مكسيم غوركي في نفوس الأولاد من خلال كتبه والرسائل المتبادلة معهم، كان له الدور الكبير في تقريب المسافة بينهم وبين المربين، وفي جعل نظرتهم إلى الحياة أكثر تفاؤلاً. في إحدى الرسائل كتب لهم غوركي، قائلاً: "أود أن يقرأ أولاد الإصلاحية، خلال أمسية من أمسيات الخريف كتاب (طفولتي)، لأنهم سوف يجدون أنني إنسان مثلهم تماماً. إلا أنني عرفت منذ حداثتي كيف أحتفظ بإرادتي للتثقيف، ولم أخش أي عمل قط. بل كنت على الدوام معتقداً، بأن الثبات والدأب يتغلبان على كل شيء.".‏


http://10planet.net/vb/attachment.php?attachmentid=5004&stc=1&d=1204391260

تابع المربون طلابهم يوماً بيوم، وعايشوهم في أدق التفاصيل. في النهار عمل، وفي المساء لقاءات ممتعة ودافئة. الأعمال تنتهي في الساعة الخامسة، فتشعل مصابيح البترول هنا وهناك. وبرودة الشتاء، لم تمنع الجميع من التمتع بالأمسيات وأحاديثها اللطيفة التي كانت تخلق الحيوية في العقول والراحة في النفوس، وتؤكد أن الحياة مسرة وفرحة. مكان اللقاءات هو مهجع النوم، وزمانها قبل موعد العشاء. فيأتي المربون المناوبون وغير المناوبين، وفي جعبتهم فوازير وحكايات متنوعة خيالية وواقعية، تحمل للأولاد التسلية والتوجيه. والكتاب لم يغب عن هذا التجمع، بل كان حاضراً بقوة وفاعلية. فكان أحد المربين يقرأ بصوت مرتفع مطالعته لكتاب ما، لجلب الانتباه وإتاحة الفرصة أمام الجميع للمشاركة. ولا عجب في أن تكون مؤلفات غوركي وقصة حياته التعسة، الأكثر استحواذاً على اهتمام الأولاد والأبعد تأثيراً في نفوسهم، لما تحمله في أحداثها من تعزية لأوضاعهم ومواساة لآلامهم.‏


^
^
^






.

ragal
03-02-2008, 10:48 PM
مشاركة جميلة. رغم الأحداث الشبهيه بالبؤس اليومي، التي تنطوي عليها هذه المذكرات. و التي تسير بالأحاث إلى التنوير الكبير الذي يصرف المصلحون/الأدباء جل وقتهم في صياغته على هذه الشكلية. ليغدو كعالم التبشير، أو الخبز اليومي الذي يغذي العقول. تبقى الدنيا بخير و لا بد من لحظة تأمل.
شكراً أخت سهاد.

سهاد
03-10-2008, 09:07 PM
أهلا ragal
حتما التعامل مع الأطفال الجانحين أو المشردين أو اللقطاء
يحتاج خبرة كبيرة والكثير من الصبر إلى جانب الشدة والحزم
وقاعدة كبيرة من العلم (النفسي / الاجتماعي / السلوكي)
والأهم والأخطر هو إدراك مدى أهمية وخطورة الرسالة
التي يحملها المُربي أو المُرشد...

أعجبني الجزء الذي قرأته من المجلدات لذا سعدت بوجود
هذه القراءة الوافية للثلاث مجلدات

:

كل التقدير :flow:




.

سهاد
03-10-2008, 09:37 PM
http://10planet.net/vb/attachment.php?attachmentid=5083&stc=1&d=1205176793


في مرحلة متقدمة سنحت الفرصة للقائمين على الإصلاحية، بأن يضعوا يدهم على مزرعة آل تريبكي التي لا يفصلهم عنها سوى نهر كولوماك الصغير. فكان أول عمل قاموا به، هو تنظيم نقطة عبور دائمة على النهر بزورق يقيم فيه ولد من الإصلاحية. أما إصلاح أرض المزرعة وأبنيتها، فكان حملاً ثقيلاً وعملاً شاقاً. فالأبنية العديدة لم تكن تتطلب ترميماً وإصلاحاً فقط، بل كانت بحاجة إلى إعادة بناء من جديد، وبالتالي هم لا يملكون المال. وعندما تعرفوا إلى محتويات المزرعة، وجدوا أن سقائف الاصطبلات المقوضة، تشكل مورد مال للإصلاحية. فقام الأولاد بعملية فك السقوف، وبيع قرميدها للقرويين.‏

وبعد نضال دام أربع سنوات ضد خرائب آل تريبكي، استطاعوا أن يبلغوا الحلم الذي دغدغ خواطرهم. فأنجزوا ترميم بعض المباني، وأقاموا فيها مهاجع ومدارس ومعمل للنجارة ومشغل للأحذية ومشغل للدواليب ومشغل للخياطة. وهذا النجاح لم يثنهم عن الاستمرار في متابعة العمل، وإنجاز ما تبقى من المباني. فتحقق لهم ما كان يطمحون إليه، وتمكنوا من توفير مهاجع أخرى تتسع لمئة وعشرين ولداً جديداً، ومن إيجاد أماكن للضروريات التربوية جميعها.‏

يقول ماكارنكو: ((كان هناك أحلام وأحلام.. فالحلم بفارس على جواد أبيض هو شيء، والحلم بثماني مئة ولد في إصلاحية هو شيء آخر. عندما كنا نعيش في ثكناتنا الضيقة، ألم نكن نحلم بحجرات منيفة مشرقة؟. عندما كنا نلف أرجلنا بالخرق، ألم نكن نحلم بأن ننتعل أحذية كما ينتعل الناس؟. كما كنا نحلم بالجواد البطل، وبقطيع من بقر سيمنتال.‏

حينما حملت في كيس خنوصين إنكليزيين، كان أحد الحالمين عندنا، يجلس على مقعد عال ويداه وراء ظهره ورجلاه متدليتان. يقول وهو ينظر إلى السقف: هذان خنزيران صغيران، وكم سيأتينا منهما؟! الآن، نحن لدينا أكثر من ثلاثمئة خنزير. آه، ما أجمل هذا!)). لهذا لم يكبح ماكارنكو جماح الأحلام عند أولاد الإصلاحية، بل كان ينطلق معهم إلى مدى بعيد.‏

http://10planet.net/vb/attachment.php?attachmentid=5084&stc=1&d=1205177727

ابتدأت الإصلاحية الثانية بالإثراء والغنى، بشكل محسوس. واتخذت شكل مزرعة صحيحة منتظمة ومتسقة، تحتوي على جياد وزرائب أبقار وغنم وخنازير. وصارت الزراعات تقدم كميات كبيرة من العلف للحيوانات، مثل الشمندر والذرة الصفراء والبطاطا. كما فتح لهم امتلاك الطاحون، سبيل الرخاء الواسع، ووطد علاقتهم مع الفلاحين الذين يعيشون في محيط الإصلاحية.‏

نضج الإصلاحية وتحسنها، أشاع الفرح في نفوس نزلائها. فكل شجرة فيها وكل دغل وكل خط من المساكب، سقاها عرق الجهد الكادح من الكتائب، ورعتها عناية الجماعة وحبها.‏

يقول ماكارنكو: "غدت الحياة فيها جميلة، ولدى رؤيتها كان يملكني الاعتزاز لمساهمتي في تجميل أرضها." ولا ينسى أن يشير إلى اعتزازه بالأولاد الذين صنعتهم الإصلاحية، ومنحتهم وجوهاً تضوع بالصحة، وأجساداً تتمتع بالقوة والرشاقة.‏

^
^
^

سببرسس
05-01-2008, 11:52 PM
قبل نحو أسبوع قرأت هذا الموضوع القيّم سهاد :soso:

اليوم صباحاً طبعته وأرسلته بالفكس إلى المجمع الثقافي، مكتبة الأطفال.. ثمة استفادة ما قد يجنوها منه.

ألف وردة لجهدك وحضورك المميز دائماً والله :heartbeat:




.

سهاد
05-02-2008, 02:39 AM
أهلا روعة :soso:
سعيدة أن راقك الموضوع عزيزتي
وأكثر سعادة بأني لم أكمله :d
لأنه قصة حقيقية فرغم الجهد والإنجاز الخارق
لم يعدم أنطون سيميونوفتش أعداء النجاح المتكاسلين الذين يرون
أن في إبقاء الحال على ما هو عليه راحة ودعة وبعدا عن المشاكل والمسؤليات
أو ذوو القلوب الغليظة الذين ينظرون إلى المراهقين الجانحين نظرتهم
إلى الشر الصرف ويرون أن لا فائدة تُرجى من ورائهم ولا يجب التعامل معهم
إلا بالشدة والقسوة ..

هؤلاء كادوا للمربي الفاضل حتى أجبروه على الاستقالة
رغم كل جهوده ونجاحاته ...

هذه هي الحياة مع الأسف لا تنتهي دائما نهاية سعيدة ..



/


محبتي :054:




.
الذسن