المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الكاتب وإشكالية الكتابة


مصطفى معروفي
02-20-2008, 12:19 PM
لا بد أن الكاتب عندمايهم بكتابة نصه تكون قد ساورته فكرة ما، هذه الفكرة هي التي كانت من وراء دفعه إلى الكتابة،ولا شك أنه - الكاتب - حين كان يكتب كان ينوي أن ينشر ما يكتبه في الناس ليقرأوه ،ولا يهمه إن اتفق الناس معه أو اختلفوا ، المهم عنده أن يكون معبرا بصدق عن قناعاته وأفكاره ، بكل ما يتطلب ذلك من وضوح في الفكرة ودقة في التعبير،إذ الغاية هي الإحراز على المصداقية مع نفسه أولا ،ثم مع القارئ بعد ذلك.
إن الكاتب وهو يشرع في الكتابة يعرف أنه سيتوجه بالخطاب إلى قراء من شرائح مختلفة ومتنوعة سواء في قناعاتها الفكرية أو في خلفياتها الثقافية،منهم من سيتفق معه ، ومنهم من سيعارضه ومنهم من سيكون منه بين المنزلتين ،ومنهم سيكون خارج الإطار ، بمعنى أنه لا متفق ولا معارض.ولكنه إذا كان كاتبا حقيقيا سوف لا يهتم إلا بما يمليه عليه ضميره وقناعته،فهو بذلك فقط سيفصح عن نفسه كما هي لا كما يريدها منه القراء،وبالتالي سيكون كاتبا أصيلا.
وبما أن الكتابة فعل يقوم به فاعل هو الكاتب ،فهذا الفعل يكون ناشئا عن دوافع هي الأهداف والغايات التي يسعى إليها الكاتب ويرمي إليها من خلال مايكتبه ،فالنص لا ينجز من فراغ،ولا يأتي هكذا جزافا وبدون مقدمات،ونحن هنا نتساءل :
- حين يكتب الكاتب نصا ما لماذا يريد من الآخرين أن يطلعوا عليه؟
- لماذا لا يحتفظ بنصه لنفسه؟
إن الإجابة عن هذا التساؤل تبدو صعبة شيئا ما،ونحن سنحاول الإجابة عليه من خلال تأملنا للنصوص وما توحي به خارج مضمونها،فنقول:
يريد الكاتب من الآخرين أن يشاركوه أفكاره أو على الأقل يطلعوا عليها من منطلقين ،أولهما نفسي وثانيهما اجتماعي أخلاقي.فالنفسي يتعلق بالشعور بالنقص - تجدر الإشارة هنا إلى أن الشعور بالنقص ليس مرضا نفسيا - والذي يعمل في نفسية الكاتب سواء وعى ذلك أم لم يع،وهو من خلال كتابته يحاول أن يتجاوز هذا النقص أو يحاول أن يقلل من وطأته عليه لينتقل بذلك من نقطة أعلى إلى نقطة أدنى على مستقيم هذا النقص ليبدو أمام الآخرين متكاملا ،فقد ينكر الكاتب هذه الحقيقة،لكن أفكاره وآراءه تعبر بشكل صارخ عنها.
أما المنطلق الاجتماعي الأخلاقي فهو يتمثل في أن الكاتب يتصور نفسه يحمل رسالة أو مشروعا للمجتمع،وفي حالة تطبيق أفكاره ونظرياته سيخطو المجتمع إلى الأمام،وسيصعد سلم الرقي بكل ثقة واطمئنان،وسواء كان هذا التصور ناتجا عن وهم الكاتب أو عن أنانيته إلا أنه يبقى تصورا من الفهم العام لدور الكاتب وما يجب عليه القيام به إزاء المجتمع.وهنا نصل ‘لى سؤال آخر وهو:
- هل الآخرون في حاجة لمعرفة أفكار الكاتب؟
يبدو أن لا أحد طلب من الكاتب أن يقدم له أفكاره،وإنما الواقع بملابساته هو الذي أملى عليه أن يكتب للآخرين،ذلك أن التغيير -أقصد تغيير الواقع - لا يأتي عن طريق شخص واحد حتى ولو كان كاتبا ،وإنما يأتي عن طريق التضامن والتكاتف والإقناع والاقتناع ،والاحساس بضرورة التغيير،وهذه الأمور لا تكون إلا جماعية،من هنا كان الكاتب يسعى لتحقيق الإجماع حول أفكاره وطروحاته ،فبذلك الإجماع يستطيع أن يحقق التغيير الذي ينشده ويعمل لأجله.
بالإضافة إلى هذا فالكاتب -ونحن معه -لا يتصور الكتابة إلا كعلاقة رائدها هو التواصل ،وإلا فهي تبقى كتابة بدون قيمة ،ذلك أننا لا نكاد نتصور كاتبا يكتب لنفسه،ولنفسه فقط إلا بصعوبة بالغة ،أقول بصعوبة بالغة وأنا أريد أن أقول أننا لا نكاد نتصورها البتة.
هناك من ينظر إلى الكتابة على أنها وسيلة من وسائل التنفيس عن الذات وعن مكبوتاتها،وهذا التنفيس لدى الكاتب هو معادل للبوح والشكوى لدى الشخص العادي،فهو إن لم ينفس عنه سيجد نفسه عرضة للوساوس والقلق،وفريسة سهلة للتذمر المستدام والوجوم المضني مما سيؤدي به في نهاية المطاف إلى مشاكل نفسية عويصة ربما يصعب التعامل معهامستقبلا.
وإذاًً،فالكاتب يمارس الكتابة من هذه الزاوية لأنه يرى فيها ملاذا آمنا من التوترات النفسية ،كما يجد فيها فيها وسيلة لإبراز الذات كإشباع لإحدى غرائزه.
لنعد إلى فكرة تغيير الواقع لدى الكاتب من خلال ما يكتبه والتي أشرنا إليها سابقا،فكما أن الفعل يغير الواقع فكذلك تستطيع الكتابة أن تغيره،وذلك حين تتحول هذه الأخيرة من طور التجريد إلى طور التطبيق عن طريق الممارسة والفعل.وهذا التصور لدور الكتابة نجد مثاله متجسدا في كتابات بعض المفكرين والمصلحين والفلاسفة وأدباء كبار غيروا نظرتنا إلى كثير من الأمور والأشياء في عالمنا الذي نعيش فيه،بحيث تحولت الكتابة/الكلمة على أيديهم وعلى أيدي أتباعهم ومريديهم إلى فعل جسد مضمونها عمليا،ومن هنا نفهم مقولة[الكتابة بوصفها حلما]،بحيث يكون الحلم قابلا للتحقق،وبهذا الخصوص نطرح السؤال التالي:
- لماذا يريد الكاتب أن يغير الواقع وما هي مصلحته في ذلك؟
يعرف الكاتب أنه ينتمي إلى مجتمعه انتماء يحتم عليه أن ينخرط في الدفاع عن مصالحه ،وعن كل ما يعود بالفائدة عليه،وهذا الانتماء الحالي للمجتمع من طرف الكاتب هو صيغة معدلة ومنقحة عن انتماء الشاعر العربي القديم لقبيلته ،بحيث إن انتماءه إليها كان يحتم عليه المنافحة عن قيمها والذود عن حياضها،والتغني بأمجادها الطريفة والتليدة،إذ فضل الشاعر عليها هو كفضل المدافع عنها بالسيف ضد أعدائها ومن يروم الكيد لها.فالكتابة دائما فعل تغيير،وحتى أن ما يسمى بكتابة تكريس الواقع وإدامته هي في نظري كتابة تغيير لواقع يريد أن يصير عينا،وشخصيا أنا لا أفهم التغيير على أنه محاولة تسعى إلى الأفضل عملياودائما.
لعلنا الآن أصبحنا ندرك أن دفاع الكاتب عن مصلحة مجتمعه إنما هو في الحقيقة دفاع عن مصلحته هو،لأنه يرى أن مصلحته مرتبطة ارتباطا عضويا بمصلحة أو بمصالح الناس الآخرين الذين يشكلون معه المجتمع الذي ينتمون إليه،وأن الدفاع عن مصلحته يقتضي منه أن يدافع عنها باعتبارها مصلحة عامة تهم الجميع،وذلك لكي يكسب تعاطف الناس وتأييدهم له،وإلا سيكون صوته صوتا نشازا طابعه البارز هو الأنانية والمصلحة الضيقة ،الشيء الذي قد يجر عليه عواقب غير مرضية له،وربما قد يجعله شخصا منبوذا يشار إليه بأصبع الاتهام.
من جهة أخرى تطرح الكتابة بوصفها ممارسة تسعى نحو هدف ما إشكالية متعددة الجوانب،منها ما يتعلق بالكاتب ،ومنها ما يتعلق بالقارئ أو بجمهور القراء ، ومنها ما يتعلق بالكتابة نفسها.فالكاتب وهو يهم بالكتابة أو يتخذها هما ومسؤولية عليه أن يكون متسقا في فكره،ومعنى ذلك عليه أن يحدد المبادئ والأسس التي ينبغي أن ينطلق منها ،وأن لا يحيد عنها وهو يخوض غمار الكتابة،وهذه المبادئ والأسس هي التي ستضمن له أن لا يكون متناقضا في ما يطرحه من قضايا وحلول لهذه القضايا،إذ بدونها سيقع في منزلقات ومطبات تذهب بمشروعه الفكري إن كان له مشروع ، وتودي بمصداقيته فيغدو لا يعتمد عليه في الاستشهاد به،وبالتالي سيصاب بانتكاسة قد تضع حدا لمشروعه الكتابي.وبالنسبة لجمهور القراء فالكاتب إن أراد أن يرضي الجميع فسيجد في ذلك عنتا كبيرا،لأن القراء يختلفون فكرا وقناعة ربما لدرجة التناقض الحادة ،ولحل هذا المشكل يبدو لي أن الكاتب عليه أن لا يولي اهتماما للقارئ بقدر ما يوليه لما يؤمن به ويعتقده،ويكتب ذلك واضحا جليا بينا،بعيدا عن اللبس والغموض، حتى لا يفهم خطأً،فمن القراء من يفهم النص على غير وجهه وهو واضح ساطع الوضوح ،فما بالك إذا كان هذا النص غامضا أوفيه تعمية أو التباس.وفيما يخص الكتابة نفسها فليس من المتوقع دائما أن تكون نظرة الكاتب إليها هي نفس نظرة القارئ ،فالقارئ قد يرى في قراءتها تزجية للوقت،بينما الكاتب يرى فيها رسالة يتوجه بها إلى القارئ ،ويراها التزاما ومسؤولية،وقد يحصل العكس،وهنابالمناسبة أذكر الكاتبة الأمريكية الذائعة الصيت مرغريت ميتشل صاحبة الرواية الشهيرة:"ذهب مع الريح"،فقد كتبت روايتها وهي مريضة بالمستشفى تزجية للوقت ،وحينما اطلعت عليها إحدى صديقاتها سعت إلى نشرها،وكتب لهذه الرواية النجاح ولصاحبتها ذيوع الصيت والشهرة.
حقيقة إن الكتابة تطرح إشكاليات كثيرة ومتنوعة مثلها في ذلك مثل القراءة سواء بسواء،وقد أحببت أن أطرح بعضا من هذه الإشكاليات في هذا المقال المتواضع إيمانا مني بأن إخواني الكرام وأخواتي الكريمات سيثرون الموضوع بنقاشاتهم وبتعليقاتهم وبردودهم الغنية بالأفكار والمعلومات،فمنهم أستفيد ،والله من وراء القصد وهو ولي التوفيق.

ragal
02-20-2008, 02:20 PM
"الكاتب و إشكالية الكتابة" أي كاتب؟ أم الكاتب الصحفي أم الكاتب الإخباري أم الكاتب الموضوعي الجامعي الأكاديمي.

هناك نقاط مهمة عرضت في الموضوع (المقال) تبدو بحاجة إلى إفصاح أكثر، النقطة الأولى لماذا يكتب أو ما هو الشيء الارتكازي الذي انطلق منه (الكاتب) في سبيل أجر؟ من أجل إعداد موسوعة مثلاً؟ هل هنا يدعونا تفكيرنا أن نرفض هذا الكاتب حتى لو كان من حزب معادٍ، أم نطاوع أنفسنا و نسلم و نتقبل الموسوعة و بطبيعة الحال (الكاتب). النقطة الثانية و هي من سيقرأ القصة، الرواية، القصيدة... و باقي الإبداعات الأدبية أو إن شئت الثقافية؟ لا أستطيع الجزم بوجود كل تلك المحفزات التي ستجعل القراء يهرعون إلى القراءة بمجرد تصنيفها.

أظن أن الجميع أو أغلبهم قرأ في أكثر من مجال و واحد ـ من هذه المجالات ـ أكثر من غيره جذب القارئ، أي أن الكاتب هو من فرض أسلوبه، لنتأمل كاتب سياسي كبير (بأخذ بعين الاعتبار أن المقال السياسي في معظم الأحيان جاف يخلو من الصور الأدبية إلا ما ندر ـ محمد حسنين هيكل كمثال)، ماذا لو قام هذا الكاتب بكتابة رواية، أكيد الجمهور الخاص و العام سيجد في قراءة الرواية الحافز الأكبر لبداية قراءة الرواية أي رواية. إذ كاتب و محلل سياسي كتب رواية. الأمر يدعو إلى الوقفة، كما حصل لرواية (العملية هيبرون) التي كتبها أريك جوردان، و قام بعرضها الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل، على أساس أنها رواية كتبها أحد ضباط المخابرات الأمريكية. و هو الشيء الملفت و المحفز في القراءة.

فما هو الشيء المحفز في القراءة أخي الكريم؟

شكراً على الموضوع و نوّرت المنتدى.

مع تحياتي Ragal

سهاد
02-20-2008, 05:28 PM
الكريم / مصطفى معروفي

أهلا بكَ أخي الفاضل بيننا

وأهلا بمقالك القيّم
افتتحت الكلام عن إشكالية الكتابة بأنه حين يشرع الكاتب
في الكتابة يجب أن تكون لديه فيكرة ما يود إيصالها للقاريء
وفي اعتقادي هذه الفكرة هي ما تحدد إلى حد كبير اتجاه الكتابة
بمعنى : _ إن كانت الفكرة لرواية فيجب على الكاتب إحكام الحبكة ورابط الأحداث
إن كانت لمقاله عليه أن يكون قوي الحجة لإثبات رأيه
إن كان مصلحا اجتماعيا أو فيلسوفا عليه أن يكون بارعا في طرح
نظريته ملما بخيوطها بدقة مفوها وممكنا لإقناع القاريء بها
..... وهكذا ...


ثم دلفت لدوافع الكاتب فخلصت إلى أن الكاتب يقوم بفعل الكتابة
من منطلقين أحدهما نفسي والآخر اجتماعي أخلاقي
فالنفسي يجعل الكتابة أشبح بالبوح والتنفيس حفاظا على سلامة الكاتب النفسية
أما المنطلق الاجتماعي الأخلاقي فهو يتمثل في أن الكاتب يتصور نفسه يحمل رسالة
أو مشروعا للمجتمع،وفي حالة تطبيق أفكاره ونظرياته سيخطو المجتمع إلى الأمام،
وسيصعد سلم الرقي بكل ثقة واطمئنان

أضيف إليهم دافع آخر يندرج تحت الدافع الشخصي
وهو مجرد عرض موهبته الإبداعية خاصة كاتبي الروايات والقصص القصيرة


أعجبني مصطلحي :
الكتابة بوصفها حلما
والكتابة كممارسة فعل يسعى نحة هدف ما


مقال أكثر من رائع بالفعل




كل التقدير








.

فضاءات
02-20-2008, 07:58 PM
أهلاً بك أخي العزيز مصطفى بين أخوانك الذي أسعدهم وجودك
مقال يحمل الكثير من الأوجه التي تستحق النقاش
وأنا هنا سأتطرق إلى نقطة واحدة برأيي هي الأساس في الكتابة ألا وهي لغة النص ومضمونة
أرى بأن فكرة النص وما يحمله من مضمون وما يرغب الكاتب توصيله إلى القاريء هو لب الكتابة ومحتواها في حين تظل اللغة والأسلوب الكتابي هما الإطار الذي يحمّل من خلاله الكاتب أفكاره ويوصلها إلى القاريء.

كل الشكر أخي مصطفى وأكرر إبتهاجي بتواجدك المثري

D O V E
02-22-2008, 02:52 PM
..
مقالٌ مفيد و هادف ..

رأيي باختصار شديد :

أرى أنّ الفكرة هي الإشكالية للكاتب .. و هنا أقصد الكاتب الأدبي . لأنّ اهتمامنا هنا معنيٌّ بهِ أكثر .
متى ما حلّ حيرتهُ مع عقله و رتب أفكاره و وضحَ لديه ما يريد قوله أو الكتابة عنه . سيسهل عليه تحديد كل
التفاصيل بعدها .علماً أنني أضع اللغة في المقام التالي للفكرة مباشرةً . لأنّ لغةً عالية برفقة فكرة باهتة لا يعني شيء .
إلا للدارسين أو الأكاديميين أو طلاب اللغة طبعاً.

ـ

محــمد
02-25-2008, 04:54 PM
مصطفى معروفي هواسمي سيبقى**
رغـم أنـف الحسـود فـوق النجـوم
أنـا فـي قــوم لا يــرون ،تـسـاوى**
عنـدهـم ضـوئـي بالـظـلام البهـيـم
أهمـلـوا فــيَّ بلـبـلا عــذب لـحــن**
واستسـاغـت آذانـهـم نــوح بــوم
بيـد أنـي لـو كـنـت بـيـن سـواهـم**
لسمـوا بــي إلــى المـقـام العظـيـم
مـن يكـن شـاعـرا بـقـوم كقـومـي**
عــاش محـرومـا بينـهـم كاليـتـيـم
فـغــدا يـعـرفـون قـــدري ولــكــن**
بعدمـا بـي تكـون أودت همومـي



اطربني هذا التوقيع بالشعر الرائع فيه ,
حتى وان غالى هذا البيت تجاه تحميله القوم
واعتقد بأنه العصر المادي تجاه الشعر الروحاني لا القوم ,

مـن يكـن شـاعـرا بـقـوم ٍكقـومـي**عــاش محـرومـا بينـهـم كاليـتـيـم







تحيتي وتقديري ,
وشكراً جزيلاً على طرحك القيم المفيد اخي مصطفى ,