محــمد
02-14-2008, 01:31 AM
مقال اعجبني لها لكم كتعريف بهذا المفكر الحكيم عن جدارة واستحقاق ,
كيف أجاب البليهي عن سؤال التخلف ؟
السؤال بـ"كيف"هو سؤال عن المنهج.المنهج الذي هو طريقة التفكير. آلياته ووسائله. من المعلوم أن المنهجية هي إحدى سمات التفكير العلمي، فهو يسهم بضبط التفكير والعمل على تفعيله بأكبر قدر ممكن.المناهج متفاوتة ومتنوعة.وهي كأي أفكار أخرى نتيجة للظروف المختلفة التي نشأت فيها والمستوى المعرفي الذي أنتجت فيه. ومن هنا تأتي أهمية نقد المناهج وطرق التفكير، بل إن النقد الحقيقي هو الذي يتوجه إلى هذه النقاط بالذات.هل المنهج هو الطريق الوحيد للحقيقة؟ليست الأمور بهذه الحدة فقد تكون المناهج أحيانا هي سبب انحراف الفكر عن طريق البحث السليم.خصوصا حين تنغلق وتنطلق من مقدمات مغلوطة أو حين توضع من أجل أهداف أيديولوجية ضيقة بالضرورة.المنهج المفتوح هو برأيي الطريق الأكثر قدرة على الإيصال للمعرفة. سؤالنا هنا يتعرض لمنهجية التفكير لدى البليهي. وهي منهجية غير مفصح عنها بوضوح.
تمتاز مقالات البليهي بميزة تكاد تشملها جميعا وهي أن المقالة تبدأ في فقرتها الأولى بالفكرة الرئيسية،هكذا مباشرة ناجزة ومتشكلة في قالبها الأخير ثم تلي هذه الفكرة إثباتاتها وشواهدها التاريخية. وهذا يجعلنا نعرف تماما ثمرة تفكير البليهي ولكنه يجعلنا نتساءل عن منهجيته في التفكير. بمعنى أن سؤالا ملحا يتعلق بأي مناهج التفكير يعمل البليهي. هو لا يفصح في كتاباته عن هذا،بمعنى أنه ليس من المفكرين الذين يعرضون منهجيتهم في التفكير ويحددون آلياتهم بشكل دقيق. يجيب البليهي عن تساؤل من هذا القبيل بقوله"لا ألتزم بمنهج واحد ولا أتقيد باتجاه معين وإنما أستعين بكل ما هو متوفر من المناهج والرؤى..."إلا أن ملاحظة كتابة البليهي تشير إلى أن عمله العقلي يقوم على"التأمل" و"المقارنة".وإذا كان التأمل كما عند ليبينتز"ليس بشيء آخر سوى تنبّهٍ لما هو كائن فينا"فإن البليهي لم يذهب، في محاولة إجابته عن سؤال التخلف، بعيدا عن التجربة البشرية، ففيها تكمن كل أسباب وعلل الظواهر.وتأمل هذه التجربة كفيل بالحصول على قوانين تحكم هذه التجربة.والتأمل يهدف، إلى الفهم والتفسير وكلما تمكن المتأمل من شمول أوجه الظاهرة المتأملة استطاع الحصول على قوانين تمتلك قدرة أكبر على التفسير والتعليل. وهذه الشمولية إحدى مميزات فكر البليهي، ففهمه لبنية التخلف يشمل كل الشعوب والحضارات المتخلفة، صحيح أن الواقع العربي هو المحفزّ الأول للنظر والتفكير إلا أن القدرة على التجريد وفهم الأسباب الأعمق جعلت من تحليلات وتفسيرات البليهي قادرة على الاشتغال في مساحات أوسع وأكثر شمولية بوصفها موجهة لتجربة الإنسان بوصفه إنسانا فقط.
من المعلوم أن القوانين المتعلقة بالإنسان لم تتحصل بعد على مستوى عال من القطعية والجزم كما حصل للقوانين المتعلقة بالظواهر الطبيعية إلا أن الضرورة العلمية تحتم ربط الظواهر التي تبدو متناثرة برباط واحد يجعلها تسير في سياق واحد يمكن التعامل معها من خلاله. والتحدي الحقيقي أمام القانون، في العلوم الإنسانية، هو قدرته على تفسير أكبر قدر ممكن من الظواهر. نجد البليهي يشغّل قانون القصور الذاتي، وهو قانون فيزيائي في الأصل، في مجال الحركة الاجتماعية، فالمجتمع كأي جسم آخر يبقى على ما هو عليه حتى تأتيه قوّة من خارجه لتحركه ولولا هذه القوّة لبقي كما هو دون حراك. من هنا نفهم فكرة أن الأصل في المجتمعات هو الثبات والاستقرار المؤدي إلى التخلف لا التغير والتقدم.كما أن قانون رد الفعل المشهور يفسر لدى البليهي ولو جزئيا الارتدادات القويّة التي تحدث في المجتمعات العربية إلى المزيد من التقليد والتشدد كلما تعرضت إلى شيء من محاولات التنوير العقلانية.
فكرة التخلف قائمة أساسا على مقارنة، فالمتخلف متخلف مقارنة بآخر، الآخر عند البليهي هو الغرب، الغرب الذي يمثل التقدم البشري اليوم ومن هنا تأتي أهمية ركيزة منهج الثانية عند البليهي "المقارنة" وطرفا المقارنة هنا هما"المجتمعات المتخلفة"و"المجتمعات المتقدمة" والمقارنة لا يمكن أن تتحقق دون فهم لمفهوم التخلف وهذا محور أساسي في مشروع البليهي الفكري تحت عنوان"بنيةالتخلف"،فالتخلف ليس أمرا طارئا وسطحيا بل هو بنية متكاملة عميقة راسخة تحتاج إلى الكثير من التعمق فيها لفهمها. كما أن المقارنة تحتاج في الطرف الآخر إلى فهم للتقدم والمجتمعات المتقدمة ولذا توجه البليهي لدراسة الحضارة الغربية، نموذج التقدم، وخرج من هذه الدراسة بأن الحضارة الغربية حضارة استثنائية في التاريخ البشري، فهي قد كسرت حلقة الدوران التي كانت تدور فيها كل الحضارات،فالحضارات السابقة كانت تتابع ولكنها تقريبا كانت تعيد تجربة متشابهة تحت سقف واحد أما الحضارة الغربية فقد كسرت هذا السقف وارتقت بالإنسان إلى مستويات مختلفة تماما. هذه المستويات تأملها البليهي ليخرج بجملة من التغيرات النوعية التي أنجزتها الحضارة الغربية من أبرزها الاعتراف بفردية الإنسان والاعتراف بسيادة الشعوب الأخرى وإخضاع المألوف للمراجعة والتحليل والانتقال من فكرة التراجع الحضاري خلال الأجيال إلى فكرة التقدم المستمر وتأصيل النزعة الإنسانية وتنميتها وتحويلها إلى واقع معاش ومحاولة تعميمها ونشرها وأنسنة القوانين والانتقال من سلطة الفرد إلى سلطة القانون وتعميم التعليم وتغيير مفهوم البطولة وغيرها من التغيرات النوعية التي ستصدر في كتاب مستقل كما يعد بذلك البليهي.
إذن يقوم منهج البليهي في التفكير على قائمتي التأمل والمقارنة. التأمل لفهم الأسباب والعلل العميقة للظواهر والأحداث وتصنيفها وفق سياقات محددة وردها إلى أقل عدد ممكن من القوانين العامة التي تحكمها. والمقارنة لاكتشاف الفروق والامتيازات بين تجارب الشعوب فيما بينها وبين تجارب الأفراد أيضا.المقارنة تقوم بدور تحفيزي هائل للفكر وتطرح عليه الكثير من القضايا المشكلة في إطار الواقع دائما، فالمقارنة عند البليهي، لم تكن أبدا مع مثال متخيل، بل كانت باستمرار مع تجارب بشرية متحققة على أرض الواقع.مما يعني بالتالي إمكانية الالتحاق بها.
المقارنة والتأمل سمتان عامتان جدا لمنهجية التفكير وهما برأيي مناسبان لفهم الظواهر الإنسانية الكبيرة والعامة. لا ينشغل البليهي بالجزئيات بقدر انشغاله بالكليات وهذا النوع من الانشغال يحتاج إلى أوسع مناهج النظر والتفكير الممكنة.لقد كان التأمل والمقارنة من أهم ركائز الفكر الفلسفي على مر الزمان وهما هنا مع البليهي يجدان تفعيلا نافعا ومثمرا عن صورة عامة ولكنها شديدة الوضوح.
http://www.alwatan.com.sa/news/writerdetail.asp?issueno=2693&id=4382&Rname=67
الكاتب / عبدالله المطيري
الوطن
الأربعاء 6 صفر 1429هـ الموافق 13 فبراير 2008م
,
كيف أجاب البليهي عن سؤال التخلف ؟
السؤال بـ"كيف"هو سؤال عن المنهج.المنهج الذي هو طريقة التفكير. آلياته ووسائله. من المعلوم أن المنهجية هي إحدى سمات التفكير العلمي، فهو يسهم بضبط التفكير والعمل على تفعيله بأكبر قدر ممكن.المناهج متفاوتة ومتنوعة.وهي كأي أفكار أخرى نتيجة للظروف المختلفة التي نشأت فيها والمستوى المعرفي الذي أنتجت فيه. ومن هنا تأتي أهمية نقد المناهج وطرق التفكير، بل إن النقد الحقيقي هو الذي يتوجه إلى هذه النقاط بالذات.هل المنهج هو الطريق الوحيد للحقيقة؟ليست الأمور بهذه الحدة فقد تكون المناهج أحيانا هي سبب انحراف الفكر عن طريق البحث السليم.خصوصا حين تنغلق وتنطلق من مقدمات مغلوطة أو حين توضع من أجل أهداف أيديولوجية ضيقة بالضرورة.المنهج المفتوح هو برأيي الطريق الأكثر قدرة على الإيصال للمعرفة. سؤالنا هنا يتعرض لمنهجية التفكير لدى البليهي. وهي منهجية غير مفصح عنها بوضوح.
تمتاز مقالات البليهي بميزة تكاد تشملها جميعا وهي أن المقالة تبدأ في فقرتها الأولى بالفكرة الرئيسية،هكذا مباشرة ناجزة ومتشكلة في قالبها الأخير ثم تلي هذه الفكرة إثباتاتها وشواهدها التاريخية. وهذا يجعلنا نعرف تماما ثمرة تفكير البليهي ولكنه يجعلنا نتساءل عن منهجيته في التفكير. بمعنى أن سؤالا ملحا يتعلق بأي مناهج التفكير يعمل البليهي. هو لا يفصح في كتاباته عن هذا،بمعنى أنه ليس من المفكرين الذين يعرضون منهجيتهم في التفكير ويحددون آلياتهم بشكل دقيق. يجيب البليهي عن تساؤل من هذا القبيل بقوله"لا ألتزم بمنهج واحد ولا أتقيد باتجاه معين وإنما أستعين بكل ما هو متوفر من المناهج والرؤى..."إلا أن ملاحظة كتابة البليهي تشير إلى أن عمله العقلي يقوم على"التأمل" و"المقارنة".وإذا كان التأمل كما عند ليبينتز"ليس بشيء آخر سوى تنبّهٍ لما هو كائن فينا"فإن البليهي لم يذهب، في محاولة إجابته عن سؤال التخلف، بعيدا عن التجربة البشرية، ففيها تكمن كل أسباب وعلل الظواهر.وتأمل هذه التجربة كفيل بالحصول على قوانين تحكم هذه التجربة.والتأمل يهدف، إلى الفهم والتفسير وكلما تمكن المتأمل من شمول أوجه الظاهرة المتأملة استطاع الحصول على قوانين تمتلك قدرة أكبر على التفسير والتعليل. وهذه الشمولية إحدى مميزات فكر البليهي، ففهمه لبنية التخلف يشمل كل الشعوب والحضارات المتخلفة، صحيح أن الواقع العربي هو المحفزّ الأول للنظر والتفكير إلا أن القدرة على التجريد وفهم الأسباب الأعمق جعلت من تحليلات وتفسيرات البليهي قادرة على الاشتغال في مساحات أوسع وأكثر شمولية بوصفها موجهة لتجربة الإنسان بوصفه إنسانا فقط.
من المعلوم أن القوانين المتعلقة بالإنسان لم تتحصل بعد على مستوى عال من القطعية والجزم كما حصل للقوانين المتعلقة بالظواهر الطبيعية إلا أن الضرورة العلمية تحتم ربط الظواهر التي تبدو متناثرة برباط واحد يجعلها تسير في سياق واحد يمكن التعامل معها من خلاله. والتحدي الحقيقي أمام القانون، في العلوم الإنسانية، هو قدرته على تفسير أكبر قدر ممكن من الظواهر. نجد البليهي يشغّل قانون القصور الذاتي، وهو قانون فيزيائي في الأصل، في مجال الحركة الاجتماعية، فالمجتمع كأي جسم آخر يبقى على ما هو عليه حتى تأتيه قوّة من خارجه لتحركه ولولا هذه القوّة لبقي كما هو دون حراك. من هنا نفهم فكرة أن الأصل في المجتمعات هو الثبات والاستقرار المؤدي إلى التخلف لا التغير والتقدم.كما أن قانون رد الفعل المشهور يفسر لدى البليهي ولو جزئيا الارتدادات القويّة التي تحدث في المجتمعات العربية إلى المزيد من التقليد والتشدد كلما تعرضت إلى شيء من محاولات التنوير العقلانية.
فكرة التخلف قائمة أساسا على مقارنة، فالمتخلف متخلف مقارنة بآخر، الآخر عند البليهي هو الغرب، الغرب الذي يمثل التقدم البشري اليوم ومن هنا تأتي أهمية ركيزة منهج الثانية عند البليهي "المقارنة" وطرفا المقارنة هنا هما"المجتمعات المتخلفة"و"المجتمعات المتقدمة" والمقارنة لا يمكن أن تتحقق دون فهم لمفهوم التخلف وهذا محور أساسي في مشروع البليهي الفكري تحت عنوان"بنيةالتخلف"،فالتخلف ليس أمرا طارئا وسطحيا بل هو بنية متكاملة عميقة راسخة تحتاج إلى الكثير من التعمق فيها لفهمها. كما أن المقارنة تحتاج في الطرف الآخر إلى فهم للتقدم والمجتمعات المتقدمة ولذا توجه البليهي لدراسة الحضارة الغربية، نموذج التقدم، وخرج من هذه الدراسة بأن الحضارة الغربية حضارة استثنائية في التاريخ البشري، فهي قد كسرت حلقة الدوران التي كانت تدور فيها كل الحضارات،فالحضارات السابقة كانت تتابع ولكنها تقريبا كانت تعيد تجربة متشابهة تحت سقف واحد أما الحضارة الغربية فقد كسرت هذا السقف وارتقت بالإنسان إلى مستويات مختلفة تماما. هذه المستويات تأملها البليهي ليخرج بجملة من التغيرات النوعية التي أنجزتها الحضارة الغربية من أبرزها الاعتراف بفردية الإنسان والاعتراف بسيادة الشعوب الأخرى وإخضاع المألوف للمراجعة والتحليل والانتقال من فكرة التراجع الحضاري خلال الأجيال إلى فكرة التقدم المستمر وتأصيل النزعة الإنسانية وتنميتها وتحويلها إلى واقع معاش ومحاولة تعميمها ونشرها وأنسنة القوانين والانتقال من سلطة الفرد إلى سلطة القانون وتعميم التعليم وتغيير مفهوم البطولة وغيرها من التغيرات النوعية التي ستصدر في كتاب مستقل كما يعد بذلك البليهي.
إذن يقوم منهج البليهي في التفكير على قائمتي التأمل والمقارنة. التأمل لفهم الأسباب والعلل العميقة للظواهر والأحداث وتصنيفها وفق سياقات محددة وردها إلى أقل عدد ممكن من القوانين العامة التي تحكمها. والمقارنة لاكتشاف الفروق والامتيازات بين تجارب الشعوب فيما بينها وبين تجارب الأفراد أيضا.المقارنة تقوم بدور تحفيزي هائل للفكر وتطرح عليه الكثير من القضايا المشكلة في إطار الواقع دائما، فالمقارنة عند البليهي، لم تكن أبدا مع مثال متخيل، بل كانت باستمرار مع تجارب بشرية متحققة على أرض الواقع.مما يعني بالتالي إمكانية الالتحاق بها.
المقارنة والتأمل سمتان عامتان جدا لمنهجية التفكير وهما برأيي مناسبان لفهم الظواهر الإنسانية الكبيرة والعامة. لا ينشغل البليهي بالجزئيات بقدر انشغاله بالكليات وهذا النوع من الانشغال يحتاج إلى أوسع مناهج النظر والتفكير الممكنة.لقد كان التأمل والمقارنة من أهم ركائز الفكر الفلسفي على مر الزمان وهما هنا مع البليهي يجدان تفعيلا نافعا ومثمرا عن صورة عامة ولكنها شديدة الوضوح.
http://www.alwatan.com.sa/news/writerdetail.asp?issueno=2693&id=4382&Rname=67
الكاتب / عبدالله المطيري
الوطن
الأربعاء 6 صفر 1429هـ الموافق 13 فبراير 2008م
,