الجوكر
12-16-2007, 02:44 PM
http://10planet.net/vb/ads/aldood.gif
الاّن في مكتبة الكوكب العاشر الإصدار الحصري الثاني :رواية الدود للكاتب علوان السهيمي
للتحميل من هنا . (http://www.emaktabah.net/categories.php?cat_id=20)
الدود رواية سلخ الذات
بقلم / محمد معتصم *
1/ ما تلبث الرواية العربية الجديدة تفاجئنا بجرأتها في الإفصاح عن مواقف الفرد العربي في مواجهته للواقع الحالي، والواقع المنصرم الذي يحمله الجيل الجديد من الكتاب كل المسؤولية في الحال التي وصلها المجتمع، والفرد، والفكر من ترد وأكاد أقول تحلل وتفسخ.
وما تزال الرواية القادمة من الشرق العربي، ومن منطقة الخليج العربي تفاجئنا بالثراء والجرأة والتنوع. وهي المنطقة التي ظلت إلى زمن غير بعيد مقصية من الساحة الثقافية العربية لأسباب موضوعية وشروط تاريخية وسياسية أساسا.
ومن الكتابات الروائية التي غزت الساحة الثقافية العربية مؤخرا الرواية النسائية. وقد استفادت هي أيضا من الجرأة في معالجة مواضيع حساسة وكانت تعتبر طوبوها محرما لا ينبغي التفكير حتى في الاقتراب منه بله الكتابة حوله وعنه، وتشريحه ومحاكمته.
2/ بين يدي اليوم رواية لكاتب روائي شاب من مواليد 1983م، قادم بقوة من المملكة العربية السعودية، وتحمل روايته الأولى التي تبلغ صفحاتها رقم (318)، وهو رقم مهم وله دلالته عندما يتعلق الأمر بأول عمل روائي، تحمل روايته عنوانا مثيرا وهو :" الدود".
وإذا كان العنوان نصا موازيا يمكنه الإيحاء بمحتوى الرواية، وتحديد المجال الذي ستتحرك فيه الشخوص الروائية، فإننا بذلك يمكن القول بأن رواية "الدود" رواية تقوم على محاكمة الواقع، وجلد الذات. وهذه الرواية ومن هذا المنطلق فإنها تعلن انتماءها إلى روايات اختارت أن تنظر إلى العالم وإلى الذات من زاوية معتمة، الزاوية التي غالبا ما تغفلها الكتابة. وهي في ذلك تتمثل المفهوم التعليمي والتربوي للكتابة. أي أنها وسيلة تثقيف وتوجيه. وبالتالي فهي وسيلة من وسائل ترسيخ قيم سائدة، وتدعيم تصورات غير قابلة للخلخلة.
بينما الروايات التي تنظر إلى الواقع والذات من موقع الريبة، والنقصان لا الكمال، تنبش في العوامل الموضوعية (الخارجية)، والذاتية (الشخصية والنفسية) التي ينبذها المجتمع، ويضعها في حالة الجمود، وفي مناطق الصمت، كما لو أنه يضعها في ملاجئ ومعازل طبية خوفا من العدوى.
من تلك الروايات وأذكر هنا فقط الروايات التي تأثرت بها في مرحلة مبكرة من قراءاتي، وهي رواية بوريس فيان "أبصق على قبوركم" وروايات هنري ميلر وهما روايتان لم استطع وقتها إتمامهما إلا بمقاومة شديدة، مقاومة للتصورات التي ترسخت في ذهني حول مفهوم الكتابة، وما ينبغي أن تكون عليه. ورواية علوان السهيمي من هذا المقام. مع فارق كبير جدا، ويتمثل في قدرة الكاتب على صوغ عوالمه، وسلاسة الحكي، والبناء المحكم للنص الروائي، والشلال الغزير من الأفكار.
3/ تقوم رواية الدود إذا شئنا الاختزال، والاختزال كالتعميم يقود دائما إلى الخطأ، على حكاية بسيطة هي: تعرض فارس مرضي في لحظة عبث لمرض العصر الفتاك السيدا. وبهذا تتحول الحيوية على فتور، والحياة إلى موت، المرح إلى قنوط...
لكن الخطاب الروائي ليس المادة التي تحكى فحسب بل قوامه بناء الحكاية، صياغة تلك المادة وتشكيلها. فالمعاني في الطريق، والمواد القابلة للحكي متوفرة في الحياة شفويا، وفي الصحف والمجلات كأخبار خام. لكن تحويلها على رواية يحتاج إلى مهارات وتقنيات كتابية لا تتأتى للجميع. لذلك فالحكاية كما سردتها بسيطة جدا لكن إنجازها عظيم.
يقوم تطور الحكاية على دورة فصول السنة، وقد وضعها الكاتب في غير ترتيبها الموضوعي والزمني، لأنه يرسم في الرواية تطور بل تدهور وانحدار حالة الشخصية الروائية (فارس مرضي) من القوة نحو الضعف، ومن المرح نحو العبوس، ومن الأمل نحو الياس.
ومن المقومات المهمة في بناء الحكاية، والتي تم اعتمادها لتوسيع المحكي الروائي، الحكايات الصغرى التالية:
· حكاية جابر: وهي حكاية ذات بعد عجائبي، وظف فيها السارد كل المؤهلات التي يقوم عليها هذا النمط من المحكي السردي الروائي، كالتشويق، والحدث الفجائي، والأفعال غير الواقعية والمتوقعة...
· حكاية حامد: وهي حكاية مهمة تبرز ما يمكن إدراجه ضمن رواية تكوين الشخصية، خاصة عندما تعترض الشخص عوامل خارجية أو ذاتية تغير مجرى حياته وتغير بالتالي مصيره...
· حكاية أبي تركي: وتنسجم هذه الحكاية مع السياق العام الذي تندرج فيه رواية "الدود". أي أنها تبرز سؤالين هامين في عصرنا العربي الحالي، فكريا وسياسيا وأدبيا، وهما سؤال الهوية، وسؤال المصير. عندما تصبح الذات مستلبة، سواء بفعل السحر، كما في هذه الحكاية، أو أيديولوجيا، كما في الفكر والواقع...
وما يضمن للمحكي انسجامه وترابطه وتناميه، وهي صفات مميزة لهذه الرواية التي جاءت ناضجة، سلاسة التطور والانتقال بين الحكاية المركزية والحكايات الصغرى. لكن بناء الشخصية الروائية، واعتماد السخرية، والتورية، والسجال الفكري، وتوليد الأفكار، وبالتالي توصيفها، وتشكيلها وبعثها في اللغة وباللغة، من أهم ما منح النص الروائي سلاسته، وترابطه، وتناميه.
4/ ليس الخطاب الروائي كما سلف مجرد أفكار مهما كانت هذه الأفكار مهمة ومثيرة للجدل، ولكنه بناء وعمل وتنضيد وترتيب، واشتغال مخبري. ومن العناصر التي دعمت النص الروائي، وقومت عموده الفقري، إذا جاز الوصف، ما يلي:
· الشخصية الروائية: فارس مرضي، الشخصية والسارد (شخصية فاعلة ومشاركة)، طالب جامعي محور الحكاية. عدنان الفيلسوف والمفكر والعمود الفقري الذي تنهض على أفكاره الحكاية. تركي وممدوح صديقا الطريق والسفر. نور التي يراها فارس نموذجا للوفاء والتفاني (صورة غير جلية عندما نطرح الآخر الزوج مقابل "العشيق" فارس)، ثم غفران التي يلمح النص أنها من نقل الفيروس القاتل إلى فارس. أ لأنها فتاة هوى، وفتاة على الطريق؟؟؟
· المكان: المملكة العربية السعودية ثقافة، وعادات وتقاليد. الأردن، معبر نحو الهدف. سوريا الهدف ومقام للتزجية والترويح عن النفس، والتخلص من القيود المحلية.
· الزمن: العصر الحالي، لكن خير ما يعبر عنه فنيا وجماليا "السفر". فتغيير المكان لا يستقيم إلا بالتحول في الزمان. وخلال الرحلة، وبفضل قيمة السفر استطاع السارد توسيع الحكاية المركزية كما استطاع عرض مشاهداته وتقييم الأهالي وبالتالي درجة انخراطهم في زمنية التحول، وحركية الواقع.
· اللغة: يمكن اعتبار اللغة في رواية الدود مقوما وشخصية أخرى روائية. لأنها لعبت دورا هاما في تماسك النص، وفي عملية التشويق. فالوضوح، والسلاسة، والفصاحة، والتركيب المتماسك، و"النقاء" الأسلوبي...كل ذلك منح الرواية تميزا وفرادة وقوة حضور.
5/ لكن الذي يهيمن على هذه اللغة؛ الرؤية الكالحة، الساخطة، التي تجلد الذات، والواقع العربي وتنعته بكل النقائص، وخاصة الواقع المجتمعي في المملكة العربية السعودية. وقد انبرى لهذه الرؤية السوداوية (عدنان). الذي يرى الحياة كذبة كبرى، والإنسان لا يستحق الوجود. وبالتالي فالحياة مجرد مأساة. يكون فيها الإنسان مجردا من كل قوة مقاومة، تمنحه القدرة على إثبات الذات، وتحقيق الكينونة. فالإنسان اعتاد كما يرى عدنان، العيش في وهم الحياة، ومجانبة الحياة. عندما يخلق لذاته أوهاما، يبتدعها ويرسم لنفسه صورة بطولية. يفصح عن ذلك مثلا، عندما يعبر الناس عن فرحتهم بفوز فريقهم في كرة القدم. ويسايره في هذا الأفق فارس مرضي، خاصة بعد المرض. فالإنسان من هذا المنظور لا يختلف عن الخرفان التي تحني رأسها وتتجه دون هدف. تسير مع القطيع، تسير في اتجاه القطيع، دون التفكير في المصير، في العواقب. يقول السارد بخصوص هذا الإنسان وضدا على كل النزعات الإنسانية أو كما يلذ للبعض القول الإنسانوية:" كم أكره الذين يحاولون تقديس الإنسان" ص (38).
يقول السارد:" الملذات في دنيانا أصبحت عشبا يأكله خراف البشر بلذة، ونشوة تجاوزت كل الحدود. هل أنا محتاج إلى من يلقمني حجر موت العار سريعا...؟ أم أن في عذابي هذا دروسا مستقبلية لكائنات لم تخلق بعد...؟ ص (210).
أسوق هذا المقتطف للتدليل على شيئين:
· أولا؛ أن الرواية وإن كان خطابها عنيفا، سوداويا، كالحا، فإنها تستبطن خطابا تقويميا، وتربويا توجيهيا، يحاول إبراز حقيقة خطيرة جدا تتمثل في كون مقتل الإنسان ليس بعيدا عنه، وقد يكون فيه. أي نفسه، ضعفه، واستسلامه لتيار الانحدار، دون استعمال العقل، استعمال آلة التمييز والفصل والتفريق.
· ثانيا؛ أن الخطاب الروائي امتلك قوته أيضا من خلال كل ما ورد أعلاه، لكن أساسا من المحكي الذاتي. واستعمال ضمير المتكلم للإيهام بواقعية المحكي و بأنه محكي سير ذاتي وليس تخييلا. أو على الأقل ليس تخييلا ذاتيا.
ومن المقاطع التي تبرز ذلك أورد مقطعين يبرزان قوة الإقناع المتمثلة في ضمير المتكلم، ويقينية المحكي. يقول النص:" إنني وإن كنت لا أحب إلا أن أكتب حياتي، ولا أحب أن أقصها لأحد من فمي، إنني وإن مارست هذه العادة ككتابة فقط، فهذا لأنني لا أثق باللسان، لأنه هو الذي أوقفني أمام مأساتي بصنمية الكهان، وغباء الملاحدة!". ص (14).
ويقول المقطع الثاني، من صفحة متقدمة، لأبرز هيمنة وقوة هذا النوع من الخطاب في الرواية:" معاناة، وألوف مؤلفة من روايات الألم القديم تتكدس في مخيلتي، حالي الآن أشبه بغصن يابس ممتد من شجرة عملاقة وضخمة، لا تأبه بوجوده الكائنات الأخرى، يباس كل المشاعر في حضور جبروت المرض، وجفاف كل الأفكار في سلطة الفايروسات المعقدة." ص (209).
6/ عموما هذا العمل الروائي الأول للكاتب علوان السهيمي قد جاء ناضجا ومميزا بكتابته الحارة المتدفقة، وبالإحساس العارم بالألم وباللا جدوى، وفقدان الثقة من الحياة التي ليست سوى كذبة كبرى، وشعور قوي بتفاهة الإنسان حيثما وجد، والمميز بأفكاره التي تجتهد في قلب التصورات، وإلباس الأفعال والحقائق لبوسا مغايرا.
* ناقد أدبي .
الاّن في مكتبة الكوكب العاشر الإصدار الحصري الثاني :رواية الدود للكاتب علوان السهيمي
للتحميل من هنا . (http://www.emaktabah.net/categories.php?cat_id=20)
الدود رواية سلخ الذات
بقلم / محمد معتصم *
1/ ما تلبث الرواية العربية الجديدة تفاجئنا بجرأتها في الإفصاح عن مواقف الفرد العربي في مواجهته للواقع الحالي، والواقع المنصرم الذي يحمله الجيل الجديد من الكتاب كل المسؤولية في الحال التي وصلها المجتمع، والفرد، والفكر من ترد وأكاد أقول تحلل وتفسخ.
وما تزال الرواية القادمة من الشرق العربي، ومن منطقة الخليج العربي تفاجئنا بالثراء والجرأة والتنوع. وهي المنطقة التي ظلت إلى زمن غير بعيد مقصية من الساحة الثقافية العربية لأسباب موضوعية وشروط تاريخية وسياسية أساسا.
ومن الكتابات الروائية التي غزت الساحة الثقافية العربية مؤخرا الرواية النسائية. وقد استفادت هي أيضا من الجرأة في معالجة مواضيع حساسة وكانت تعتبر طوبوها محرما لا ينبغي التفكير حتى في الاقتراب منه بله الكتابة حوله وعنه، وتشريحه ومحاكمته.
2/ بين يدي اليوم رواية لكاتب روائي شاب من مواليد 1983م، قادم بقوة من المملكة العربية السعودية، وتحمل روايته الأولى التي تبلغ صفحاتها رقم (318)، وهو رقم مهم وله دلالته عندما يتعلق الأمر بأول عمل روائي، تحمل روايته عنوانا مثيرا وهو :" الدود".
وإذا كان العنوان نصا موازيا يمكنه الإيحاء بمحتوى الرواية، وتحديد المجال الذي ستتحرك فيه الشخوص الروائية، فإننا بذلك يمكن القول بأن رواية "الدود" رواية تقوم على محاكمة الواقع، وجلد الذات. وهذه الرواية ومن هذا المنطلق فإنها تعلن انتماءها إلى روايات اختارت أن تنظر إلى العالم وإلى الذات من زاوية معتمة، الزاوية التي غالبا ما تغفلها الكتابة. وهي في ذلك تتمثل المفهوم التعليمي والتربوي للكتابة. أي أنها وسيلة تثقيف وتوجيه. وبالتالي فهي وسيلة من وسائل ترسيخ قيم سائدة، وتدعيم تصورات غير قابلة للخلخلة.
بينما الروايات التي تنظر إلى الواقع والذات من موقع الريبة، والنقصان لا الكمال، تنبش في العوامل الموضوعية (الخارجية)، والذاتية (الشخصية والنفسية) التي ينبذها المجتمع، ويضعها في حالة الجمود، وفي مناطق الصمت، كما لو أنه يضعها في ملاجئ ومعازل طبية خوفا من العدوى.
من تلك الروايات وأذكر هنا فقط الروايات التي تأثرت بها في مرحلة مبكرة من قراءاتي، وهي رواية بوريس فيان "أبصق على قبوركم" وروايات هنري ميلر وهما روايتان لم استطع وقتها إتمامهما إلا بمقاومة شديدة، مقاومة للتصورات التي ترسخت في ذهني حول مفهوم الكتابة، وما ينبغي أن تكون عليه. ورواية علوان السهيمي من هذا المقام. مع فارق كبير جدا، ويتمثل في قدرة الكاتب على صوغ عوالمه، وسلاسة الحكي، والبناء المحكم للنص الروائي، والشلال الغزير من الأفكار.
3/ تقوم رواية الدود إذا شئنا الاختزال، والاختزال كالتعميم يقود دائما إلى الخطأ، على حكاية بسيطة هي: تعرض فارس مرضي في لحظة عبث لمرض العصر الفتاك السيدا. وبهذا تتحول الحيوية على فتور، والحياة إلى موت، المرح إلى قنوط...
لكن الخطاب الروائي ليس المادة التي تحكى فحسب بل قوامه بناء الحكاية، صياغة تلك المادة وتشكيلها. فالمعاني في الطريق، والمواد القابلة للحكي متوفرة في الحياة شفويا، وفي الصحف والمجلات كأخبار خام. لكن تحويلها على رواية يحتاج إلى مهارات وتقنيات كتابية لا تتأتى للجميع. لذلك فالحكاية كما سردتها بسيطة جدا لكن إنجازها عظيم.
يقوم تطور الحكاية على دورة فصول السنة، وقد وضعها الكاتب في غير ترتيبها الموضوعي والزمني، لأنه يرسم في الرواية تطور بل تدهور وانحدار حالة الشخصية الروائية (فارس مرضي) من القوة نحو الضعف، ومن المرح نحو العبوس، ومن الأمل نحو الياس.
ومن المقومات المهمة في بناء الحكاية، والتي تم اعتمادها لتوسيع المحكي الروائي، الحكايات الصغرى التالية:
· حكاية جابر: وهي حكاية ذات بعد عجائبي، وظف فيها السارد كل المؤهلات التي يقوم عليها هذا النمط من المحكي السردي الروائي، كالتشويق، والحدث الفجائي، والأفعال غير الواقعية والمتوقعة...
· حكاية حامد: وهي حكاية مهمة تبرز ما يمكن إدراجه ضمن رواية تكوين الشخصية، خاصة عندما تعترض الشخص عوامل خارجية أو ذاتية تغير مجرى حياته وتغير بالتالي مصيره...
· حكاية أبي تركي: وتنسجم هذه الحكاية مع السياق العام الذي تندرج فيه رواية "الدود". أي أنها تبرز سؤالين هامين في عصرنا العربي الحالي، فكريا وسياسيا وأدبيا، وهما سؤال الهوية، وسؤال المصير. عندما تصبح الذات مستلبة، سواء بفعل السحر، كما في هذه الحكاية، أو أيديولوجيا، كما في الفكر والواقع...
وما يضمن للمحكي انسجامه وترابطه وتناميه، وهي صفات مميزة لهذه الرواية التي جاءت ناضجة، سلاسة التطور والانتقال بين الحكاية المركزية والحكايات الصغرى. لكن بناء الشخصية الروائية، واعتماد السخرية، والتورية، والسجال الفكري، وتوليد الأفكار، وبالتالي توصيفها، وتشكيلها وبعثها في اللغة وباللغة، من أهم ما منح النص الروائي سلاسته، وترابطه، وتناميه.
4/ ليس الخطاب الروائي كما سلف مجرد أفكار مهما كانت هذه الأفكار مهمة ومثيرة للجدل، ولكنه بناء وعمل وتنضيد وترتيب، واشتغال مخبري. ومن العناصر التي دعمت النص الروائي، وقومت عموده الفقري، إذا جاز الوصف، ما يلي:
· الشخصية الروائية: فارس مرضي، الشخصية والسارد (شخصية فاعلة ومشاركة)، طالب جامعي محور الحكاية. عدنان الفيلسوف والمفكر والعمود الفقري الذي تنهض على أفكاره الحكاية. تركي وممدوح صديقا الطريق والسفر. نور التي يراها فارس نموذجا للوفاء والتفاني (صورة غير جلية عندما نطرح الآخر الزوج مقابل "العشيق" فارس)، ثم غفران التي يلمح النص أنها من نقل الفيروس القاتل إلى فارس. أ لأنها فتاة هوى، وفتاة على الطريق؟؟؟
· المكان: المملكة العربية السعودية ثقافة، وعادات وتقاليد. الأردن، معبر نحو الهدف. سوريا الهدف ومقام للتزجية والترويح عن النفس، والتخلص من القيود المحلية.
· الزمن: العصر الحالي، لكن خير ما يعبر عنه فنيا وجماليا "السفر". فتغيير المكان لا يستقيم إلا بالتحول في الزمان. وخلال الرحلة، وبفضل قيمة السفر استطاع السارد توسيع الحكاية المركزية كما استطاع عرض مشاهداته وتقييم الأهالي وبالتالي درجة انخراطهم في زمنية التحول، وحركية الواقع.
· اللغة: يمكن اعتبار اللغة في رواية الدود مقوما وشخصية أخرى روائية. لأنها لعبت دورا هاما في تماسك النص، وفي عملية التشويق. فالوضوح، والسلاسة، والفصاحة، والتركيب المتماسك، و"النقاء" الأسلوبي...كل ذلك منح الرواية تميزا وفرادة وقوة حضور.
5/ لكن الذي يهيمن على هذه اللغة؛ الرؤية الكالحة، الساخطة، التي تجلد الذات، والواقع العربي وتنعته بكل النقائص، وخاصة الواقع المجتمعي في المملكة العربية السعودية. وقد انبرى لهذه الرؤية السوداوية (عدنان). الذي يرى الحياة كذبة كبرى، والإنسان لا يستحق الوجود. وبالتالي فالحياة مجرد مأساة. يكون فيها الإنسان مجردا من كل قوة مقاومة، تمنحه القدرة على إثبات الذات، وتحقيق الكينونة. فالإنسان اعتاد كما يرى عدنان، العيش في وهم الحياة، ومجانبة الحياة. عندما يخلق لذاته أوهاما، يبتدعها ويرسم لنفسه صورة بطولية. يفصح عن ذلك مثلا، عندما يعبر الناس عن فرحتهم بفوز فريقهم في كرة القدم. ويسايره في هذا الأفق فارس مرضي، خاصة بعد المرض. فالإنسان من هذا المنظور لا يختلف عن الخرفان التي تحني رأسها وتتجه دون هدف. تسير مع القطيع، تسير في اتجاه القطيع، دون التفكير في المصير، في العواقب. يقول السارد بخصوص هذا الإنسان وضدا على كل النزعات الإنسانية أو كما يلذ للبعض القول الإنسانوية:" كم أكره الذين يحاولون تقديس الإنسان" ص (38).
يقول السارد:" الملذات في دنيانا أصبحت عشبا يأكله خراف البشر بلذة، ونشوة تجاوزت كل الحدود. هل أنا محتاج إلى من يلقمني حجر موت العار سريعا...؟ أم أن في عذابي هذا دروسا مستقبلية لكائنات لم تخلق بعد...؟ ص (210).
أسوق هذا المقتطف للتدليل على شيئين:
· أولا؛ أن الرواية وإن كان خطابها عنيفا، سوداويا، كالحا، فإنها تستبطن خطابا تقويميا، وتربويا توجيهيا، يحاول إبراز حقيقة خطيرة جدا تتمثل في كون مقتل الإنسان ليس بعيدا عنه، وقد يكون فيه. أي نفسه، ضعفه، واستسلامه لتيار الانحدار، دون استعمال العقل، استعمال آلة التمييز والفصل والتفريق.
· ثانيا؛ أن الخطاب الروائي امتلك قوته أيضا من خلال كل ما ورد أعلاه، لكن أساسا من المحكي الذاتي. واستعمال ضمير المتكلم للإيهام بواقعية المحكي و بأنه محكي سير ذاتي وليس تخييلا. أو على الأقل ليس تخييلا ذاتيا.
ومن المقاطع التي تبرز ذلك أورد مقطعين يبرزان قوة الإقناع المتمثلة في ضمير المتكلم، ويقينية المحكي. يقول النص:" إنني وإن كنت لا أحب إلا أن أكتب حياتي، ولا أحب أن أقصها لأحد من فمي، إنني وإن مارست هذه العادة ككتابة فقط، فهذا لأنني لا أثق باللسان، لأنه هو الذي أوقفني أمام مأساتي بصنمية الكهان، وغباء الملاحدة!". ص (14).
ويقول المقطع الثاني، من صفحة متقدمة، لأبرز هيمنة وقوة هذا النوع من الخطاب في الرواية:" معاناة، وألوف مؤلفة من روايات الألم القديم تتكدس في مخيلتي، حالي الآن أشبه بغصن يابس ممتد من شجرة عملاقة وضخمة، لا تأبه بوجوده الكائنات الأخرى، يباس كل المشاعر في حضور جبروت المرض، وجفاف كل الأفكار في سلطة الفايروسات المعقدة." ص (209).
6/ عموما هذا العمل الروائي الأول للكاتب علوان السهيمي قد جاء ناضجا ومميزا بكتابته الحارة المتدفقة، وبالإحساس العارم بالألم وباللا جدوى، وفقدان الثقة من الحياة التي ليست سوى كذبة كبرى، وشعور قوي بتفاهة الإنسان حيثما وجد، والمميز بأفكاره التي تجتهد في قلب التصورات، وإلباس الأفعال والحقائق لبوسا مغايرا.
* ناقد أدبي .