سببرسس
09-04-2007, 02:30 AM
ذات مساء صيفي؛ احتسيت القهوة معها في فناء المنزل ولعبنا ورق "الكوتشينة" ثم شعر ونقاش من طرف واحد! شاركنا فيه شكسبير وبرناردشو وديستوفسكي والقباني والسياب وجبران ودرويش وحجاب.
ثم شجار لأنني لم أفقه مما كانت تقوله الشيء الكثير!
مواقف جميلة انفعالية غير فعالة غالباً. ولأن القهوة سيدة الحزن النشيط المتأهب دائماً، استبدت فجأة بجليستي نزوة الشوق الآسر، ربما للقهوة البرازيلية دور المحرض، فكتبت على الجدار "للقهوة ولصاحب القهوة..." ثم تاريخاً.
مثل أي قائد عسكري يفاخر بجنوده كنت أمر يومياً أمام الحائط، أتلمس الخربشات بشوق وأتحسسها، فمن الكلمات يضيء شيء مبهم وتفوح رائحة خاصة!
عندما حاولت ترميم المنزل رجوت الدهان أن يبتعد قليلاً عن الخربشات، تنهد وقال "أنا مثلك لدى جدران، في قلبي مئة جدار".
أثناء تناول الشاي عرفني أكثر على نفسه، وقال: "أنا فلان.. فنان تشكيلي لدي زوجة رائعة، أطفالي سبعة, ابنتان وخمس لوحات".
أشحت بوجهي كي لا يرى دمعي وأشياء أخرى متعثرة بدقات القلب.
غيّر لون الدهان و الحديث معاً، سألني:
أقرأت رواية حنا مينة هذه؟
قلّبت صفحة السؤال وشفتي معاً، كشفت ضحكته عن غمازتين قبل أن يقول:
- إذاً تركتها (إحداهن) هنا .
- بل هي (كلهن).
مضيت إلى شوارع المدينة...
إني أعرفها شارعاً شارعاً، وأعرف أسماءها وأرصفتها وعدد الحفر الموزعة بالتساوي على وجهها، وأعرف الباعة الجوالين، منهم لليانصيب ومنهم للكتب القديمة، ومنهم للسكاكر والبسكويت، لكني ما زلت أجهل تماماً اسم ذلك الشارع، هو شارعي المفضل، المجهول، شارع مثل الطفولة يوصلني إليك.
أصر أن أعرف اسمه وتصرين على التجاهل، الشارع طويل ومتلو، يشبه الأحجيات السهلة والموجودة في المجلات المنوعة، المجلات التي يشتريها مسافر مثلك ليجزي الوقت أو يهدره طوعاً. في ذات الصفحة شكل هندسي، وما على المسافر إلا تمرير القلم بين الخطوط المتداخلة والاصطدام بالجدران الموزعة على تلك الخطوط، هم أذكياء حيث يتركون من بين الفرص فرصة واحدة غالباً ما تأتي بعد أن يكون المسافر قد أهدر وقت سفره واقترب من مدينته.
مضيت إلى ذلك الشارع فقد مر زمن طويل على سفرك، زمن طويل لم أرك فيه. عرجت في طريقي على مديرية الاتصالات تناولت سماعة أول هاتف لمحته، وضعت النقود في الحصالة طوبى لروحك يا "ابرهام بل" على هذه الهدية المعجزة، هذه الأداة التي تصلنا بصوت من نحب. أدرت القرص أطلب الأرقام أربعة، خمسة، اثنان ..... الرنين، وبعده صوت يرفض التبرعم! حرصت على إدارة الأرقام مرة ثانية لكن لا شيء هناك، هو صوت كالببغاء يردد ببلاهة "عزيزي، لا يوجد أحد في المنزل، يرجى ترك رسالة شفهية بعد سماعك الصافرة".
من أين أتوا لنا بهذا الاختراع "الانسر ماشين" اللعين؟ بل أين أنت الآن؟ أين صوتك؟
أمضي إلى بيتك هنا، بينما أنت هناك والليل رفيقي في المشي تذكرت أن الدهان وحده في المنزل، تركته دون أن أعطيه نقوده ! لكن ذلك لم يثنني عن عزمي في المضي إليك وأنا عارف أني لن...
الليل أوشك على الانصراف وأنا أمشي، العسس يقفون كزبانية هتلر، بعد تجاوزي يتساءلون بريبة: شكله لا يوحي أنه حرامي، دعه.
جلست أمام بيتك طويلاً، الصبح سيأتي عما قريب، وعمال التنظيفات يتحدثون بحرارة عن شاب قتل حبيبته التي تركته وحيداً -مثلي- وسافرت، لحق بها، أراحها واستراح، شنقوه في الساحة العامة قبل لحظات (!).
لبرودة الصباح؛ هسيس.. تساءلت: ما العمل؟ أأظل جالساً تحت تلك الياسمينة مقابل بيت مهجور انتظر سراباً ووهماً وبرداً؟
رفعت ياقة الجاكيت لتعطيني بعض الدفء، أشرت لسيارة أجرة.. توقفت، جلست في المقعد الخلفي صامتاً شارداً، أيقظني من شرودي صوت السائق "ما بك يا سيدي، منذ دقائق وأنا أسألك أين اتجه ولا ترد؟"
قلت له:
"لست أدري، فما من مكان في الأرض أحبه أكثر من هذا".
.
ثم شجار لأنني لم أفقه مما كانت تقوله الشيء الكثير!
مواقف جميلة انفعالية غير فعالة غالباً. ولأن القهوة سيدة الحزن النشيط المتأهب دائماً، استبدت فجأة بجليستي نزوة الشوق الآسر، ربما للقهوة البرازيلية دور المحرض، فكتبت على الجدار "للقهوة ولصاحب القهوة..." ثم تاريخاً.
مثل أي قائد عسكري يفاخر بجنوده كنت أمر يومياً أمام الحائط، أتلمس الخربشات بشوق وأتحسسها، فمن الكلمات يضيء شيء مبهم وتفوح رائحة خاصة!
عندما حاولت ترميم المنزل رجوت الدهان أن يبتعد قليلاً عن الخربشات، تنهد وقال "أنا مثلك لدى جدران، في قلبي مئة جدار".
أثناء تناول الشاي عرفني أكثر على نفسه، وقال: "أنا فلان.. فنان تشكيلي لدي زوجة رائعة، أطفالي سبعة, ابنتان وخمس لوحات".
أشحت بوجهي كي لا يرى دمعي وأشياء أخرى متعثرة بدقات القلب.
غيّر لون الدهان و الحديث معاً، سألني:
أقرأت رواية حنا مينة هذه؟
قلّبت صفحة السؤال وشفتي معاً، كشفت ضحكته عن غمازتين قبل أن يقول:
- إذاً تركتها (إحداهن) هنا .
- بل هي (كلهن).
مضيت إلى شوارع المدينة...
إني أعرفها شارعاً شارعاً، وأعرف أسماءها وأرصفتها وعدد الحفر الموزعة بالتساوي على وجهها، وأعرف الباعة الجوالين، منهم لليانصيب ومنهم للكتب القديمة، ومنهم للسكاكر والبسكويت، لكني ما زلت أجهل تماماً اسم ذلك الشارع، هو شارعي المفضل، المجهول، شارع مثل الطفولة يوصلني إليك.
أصر أن أعرف اسمه وتصرين على التجاهل، الشارع طويل ومتلو، يشبه الأحجيات السهلة والموجودة في المجلات المنوعة، المجلات التي يشتريها مسافر مثلك ليجزي الوقت أو يهدره طوعاً. في ذات الصفحة شكل هندسي، وما على المسافر إلا تمرير القلم بين الخطوط المتداخلة والاصطدام بالجدران الموزعة على تلك الخطوط، هم أذكياء حيث يتركون من بين الفرص فرصة واحدة غالباً ما تأتي بعد أن يكون المسافر قد أهدر وقت سفره واقترب من مدينته.
مضيت إلى ذلك الشارع فقد مر زمن طويل على سفرك، زمن طويل لم أرك فيه. عرجت في طريقي على مديرية الاتصالات تناولت سماعة أول هاتف لمحته، وضعت النقود في الحصالة طوبى لروحك يا "ابرهام بل" على هذه الهدية المعجزة، هذه الأداة التي تصلنا بصوت من نحب. أدرت القرص أطلب الأرقام أربعة، خمسة، اثنان ..... الرنين، وبعده صوت يرفض التبرعم! حرصت على إدارة الأرقام مرة ثانية لكن لا شيء هناك، هو صوت كالببغاء يردد ببلاهة "عزيزي، لا يوجد أحد في المنزل، يرجى ترك رسالة شفهية بعد سماعك الصافرة".
من أين أتوا لنا بهذا الاختراع "الانسر ماشين" اللعين؟ بل أين أنت الآن؟ أين صوتك؟
أمضي إلى بيتك هنا، بينما أنت هناك والليل رفيقي في المشي تذكرت أن الدهان وحده في المنزل، تركته دون أن أعطيه نقوده ! لكن ذلك لم يثنني عن عزمي في المضي إليك وأنا عارف أني لن...
الليل أوشك على الانصراف وأنا أمشي، العسس يقفون كزبانية هتلر، بعد تجاوزي يتساءلون بريبة: شكله لا يوحي أنه حرامي، دعه.
جلست أمام بيتك طويلاً، الصبح سيأتي عما قريب، وعمال التنظيفات يتحدثون بحرارة عن شاب قتل حبيبته التي تركته وحيداً -مثلي- وسافرت، لحق بها، أراحها واستراح، شنقوه في الساحة العامة قبل لحظات (!).
لبرودة الصباح؛ هسيس.. تساءلت: ما العمل؟ أأظل جالساً تحت تلك الياسمينة مقابل بيت مهجور انتظر سراباً ووهماً وبرداً؟
رفعت ياقة الجاكيت لتعطيني بعض الدفء، أشرت لسيارة أجرة.. توقفت، جلست في المقعد الخلفي صامتاً شارداً، أيقظني من شرودي صوت السائق "ما بك يا سيدي، منذ دقائق وأنا أسألك أين اتجه ولا ترد؟"
قلت له:
"لست أدري، فما من مكان في الأرض أحبه أكثر من هذا".
.